على القنوت والذي لا يعلم حقيقة أو مجازا لعدم الانتفاع بعلمه (قانِتٌ) أي مخلص في عبادته الله تعالى دائما (آناءَ اللَّيْلِ) أي جميع ساعاته.
ولما كان المقام للإخلاص ، وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله لأنه التجرد عن جميع الأغيار ، وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال ، ولذلك كان أقرب مقرب للعبد من ربه ، لأنه خاص بالله تعالى ، قال : (ساجِداً) أي وراكعا ، ودل على تمكنه من الوصفين بالعطف فقال : (وَقائِماً) أي وقاعدا ، وعبر بالاسم تنبيها على دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه ، والآية من الاحتباك : ذكر السجود دليلا على الركوع والقيام دليلا على القعود ، والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن السجود يدل على العبادة ، وقرن القيام به دال على أنه قيام منه فهو عبادة ، وذلك مع الإيذان بأنهما أعظم الأركان ، فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين الآخرين لأن القعود إنما هو للرفق بالاستراحة ، والركوع إنما أريد به إخلاص الأركان للعبادة ، لأنه لا يمكن عادة أن يكون لغيرها ، وأما السجود فيطرقه احتمال السقوط والقيام والقعود مما جرت به العوائد ، فلما ضم إليهما الركوع تمحضا للخضوع بين يدي الملك العليم العزيز الرحيم.
ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان ، وكان ذلك في محل الغفران ، وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان ، قال معللا أو مستأنفا جوابا لمن كأنه يقول : ما له يتعب نفسه هذا التعب ويكدها هذا الكد : (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ) أي عذاب الله فيها ، فهو دائم التجدد لذلك كلما غفل عنه. ولما ذكر الخوف ، أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه فقال : (وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ) أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه.
ولما كان الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع ، وكان العلم الذي لا ينفع كالجهل أو الجهل خير ، كان جواب ما تقدم من الاستفهام : لا يستويان ، لأن المخلص عالم والمشرك جاهل. فأمره بالجواب بقوله : (قُلْ) أي لا يستويان ، لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة العقل ، ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل له : (هَلْ يَسْتَوِي) أي في الرتبة (الَّذِينَ يَعْلَمُونَ) أي فيعملون على مقتضى العلم ، فأداهم علمهم إلى التوحيد والإخلاص في الدين (وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) فليست أعمالهم على مقتضى العلم إما لجهل وإما لإعراض عن مقتضى العلم فصاروا لا علم لهم لأنه لا انتفاع لهم به لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس من الهوى لرجعوا إليه من أنه لا يرضى أحد أصلا لعبده أن يخالف أمره ، وإلى أنه لا يطلق العلم إلا على العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة (وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا) [آل عمران : ١٨٨] أن يقول الناس : علماء ، وليسوا بأهل علم ، لم يحملوهم على هدى ولا حق.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
