فإنهما مسؤولان وهما روح الدين ، ولكن سؤالهما ليس مستعليا على الإبلاغ بحيث إنهما لو انتفيا انتفى ، وأعرق في النفي بقوله : (مِنْ أَجْرٍ) أي فيكون لكم في الرد شبهة (وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) أي المتحلين بما ليسوا من أهله من قول ولا فعل ، الذين يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه على طريق من الطرق بنظم أو نثر سجع أو خطب أو غير ذلك ، أو وضع أنفسهم في غير مواضعها ، كما فعل إبليس ، لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه ، لا أفعل أفعالهم ولا أحبهم ولا أتعصب لهم ، فهو أبلغ من «وما أنا متكلفا» قد عرفتموني طول عمري كذلك ، ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما كففت عنه طول زماني النمو من الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ولا توجد بعدهما ، فإذا ثبت أن ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده ، لما تقرر من أنه لا توجد غريزة بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث والأربعين ، فإذا علم أني لست كذلك علم أني مأمور بما أنا فيه من القول والفعل ، فأنا من المكلفين لا المتكلفين ، فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به فهو متكلف ، وروى الثعلبي بسنده من حديث سلمة بن نفيل رضي الله عنه مرفوعا والبيهقي في الشعب من قول علي بن أرطاة وأبو نعيم في الحلية من قول وهب : علامة المتكلف ثلاث : ينازع من فوقه ، ويتعاطى ما لا ينال ، ويقول ما لا يعلم.
ولما أثبت المقتضيات لأنه من عند الله وأزال الموانع ، بين حقيقته التي لا يتعداها إلى ما نسبوه إليه بقوله : (إِنْ) أي ما (هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ) أي عظة وشرف (لِلْعالَمِينَ) أي كلهم يفهم كل فرد منهم ما تحتمله قواه منه ذكيا كان أو غبيا على ما هو عليه من العلو
الذي لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر والكهانة التي محطها السجع والكذب في الإخبار ببعض المغيبات ، فإنهما مع سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين إلا ذاك وذاك.
ولما كان التقدير : أنا عالم بذلك ، عطف عليه قوله جوابا لقسم : (وَلَتَعْلَمُنَ) أي أنتم أيضا (نَبَأَهُ) أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به فيه وعنه من الأخبار العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل وشقاقكم يصير إلى مسالمة وألفة ، وكثرتكم تصير إلى قل ، وأن ما أنا فيه الآن يفضي بي إلى خلافة الله في أرضه ، وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة الأول في جميع جزيرة العرب التي هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد الأقصى الذي هو محل خلافته ، ثم يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال حتى يعم الأرض بطولها والعرض على يد ابنه عيسى عليهالسلام خاتمة أكابر أتباعي وأنصاري
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
