إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك ، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) [البقرة : ٩٧] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال : (رَبُّكَ) أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر ، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه (لِلْمَلائِكَةِ) وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد ، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه ، أكد لهم سبحانه قوله : (إِنِّي خالِقٌ بَشَراً) أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار إليها بالاختصام ، وبين أصله بقوله معلقا بخالق أو بوصف بشر : (مِنْ طِينٍ) اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب «لو لم تذنبوا فتسغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» قال القشيري : وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليهالسلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة ، ولم يقل في صفة شيء منها ما قال في صفة آدم عليهالسلام وأولاده ، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره.
ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل ، سبب عنه قوله : (فَإِذا سَوَّيْتُهُ) أي هيأته بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) فصار حساسا متنفسا ، شبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران ، وغير ذلك من التحريك والإسكان ، والزيادة والنقصان ، وأضافه سبحانه إليه تشريفا له ، (فَقَعُوا لَهُ) أي خاصة (ساجِدِينَ) أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار ، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف ، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال : (فَسَجَدَ) أي عند ما نفخ فيه الروح (الْمَلائِكَةُ) على ما أمرهم الله ، ولما كان إسناد الخبر إلى الجمع قد يراد به أكثرهم ، أكد بقوله : (كُلُّهُمْ) إرادة لرفع المجاز.
ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه ، رفع
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
