العبادة قطعا فقال : (وَما بَيْنَهُمَا) أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ، ربي كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب ، فدل ذلك على قهره ، وتفرده في جميع أمره.
ولما كان السياق للإنذار ، كرر ما يدل على القهر فقال : (الْعَزِيزُ) أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد ، كان موضع قولهم : فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال : (الْغَفَّارُ) أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلما إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام.
ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم ، ولا ردهم عن عتوهم ومحالهم ، مع كونه موجبا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدا عنه ، قال آمرا له بما ينبههم على عظيم خطئهم : (قُلْ هُوَ) أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ ، فثبت بمضمونه الوحدانية ، وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله : (نَبَأٌ عَظِيمٌ) أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى.
ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالا على الغرائب ، وتنقيبا عن الدقائق والجلائل من المناقب ، بكتهم بقوله واصفا له : (أَنْتُمْ عَنْهُ) أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات. ولما كان أكثرهم متهيئا للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل : مدبرون ، ولا «يعرضون» بل قال : (مُعْرِضُونَ) أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين ، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة ، ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة ، فبادرتم الإقبال إليّ والقبول لما أقول.
ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار ، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب ، دل على صدقه وعلى عظم هذا النبأ بقوله : (ما كانَ لِي) وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله : (مِنْ عِلْمٍ) أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما (بِالْمَلَإِ) أي الفريق المتصف بالشرف (الْأَعْلى) وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس ، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
