وعجائب المقدور ، في الخيور والشرور ، مما لا يحيط به إلا مبدعه ، وغارزه في عباده وودعه ، ولكون الإنسان ـ مع أنه ألصق الأشياء به وألزمه له ـ لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته ، عبر فيه بالدراية لأنها تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي ـ كما تقدم في سورة يوسف عليهالسلام ـ أن مادة «درى» ، تدور على الدوران ، ومن لوازمه إعمال الحيلة وإمعان النظر ، فهي أخص من مطلق العلم فقال : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ) أي من الأنفس البشرية وغيرها (ما) وأكد المعنى ب «ذا» وتجريد الفعل فقال : (ذا تَكْسِبُ غَداً) أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه ، وفي نفي علم ذلك عن العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه لأنه أخفى منه ، وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى ، فصار على طريق الحصر ، وعلم أيضا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان مخلوقا له لعلمه قطعا ، فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه ، فعلم اختصاصه بعلمه من هذا الوجه أيضا.
المفتاح الخامس : مكان الموت الذي هو ختام الأمر الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي ، وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر إلى ما هنالك من ربح وخسران ، وعز وهوان ، وما للروح من الاتصال بالجسد والرتبة في العلو والسفول ، والصعود والنزول ، إلى ما وراء ذلك إلى ما لا آخر له مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه.
ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق جميع ما يملكه لكي يعلمه ، عبر عنه بما عبر عن الذي قبله فقال مؤكدا بإعادة النافي والمسند : (وَما تَدْرِي) وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال : (نَفْسٌ) أي من البشر وغيره (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ولم يقل : بأيّ وقت ، لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين ، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت ، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضع موته إذ لو علم به لبعد عنه ولم يقرب منه ، وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، ثم قرأ (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية» ، وله عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليهالسلام النبي صلىاللهعليهوسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال : «خمس لا يعلمهن إلا الله (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) ـ إلى آخر السورة ، فقد دل الحديث قطعا على أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه ، وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب لما تقدم من الحكمة وعلم سر إتيانه بها تارة في جملة اسمية
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
