الآخرة لأنه قد أذن لك ، فنفي الحساب عنه يفيد شيئين الكثرة وعدم الدرك في إعطاء أو منع ، وجعله مصدرا مزيدا يفهم أنه إنما ينفي عنه حساب يعتد به لا مطلق حسب بالتخمين كما يكون في الأشياء التي تعيي الحاصر فيقرب أمرها بنوع حدس.
ولما رفع الحرج عنه في الدارين ، أثبت المزيد فقال عاطفا على ما تقديره : هذا له في الدنيا ، مؤكدا زيادة في الطمأنينة لكونه خارقا لما حكم به من العادة في أنه كل ما زاد عن الكفاف في الدنيا كان ناقصا للحظ في الآخرة : (وَإِنَّ لَهُ) أي خاصا به (عِنْدَنا) أي في الآخرة (لَزُلْفى) أي قربى عظيمة (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي مرجع.
ولما انقضى الخبر عن الملك الأواب الذي ملك الدنيا بالفعل قهرا وغلبة شرقا وغربا ، وكان أيوب عليهالسلام في ثروة الملوك وإن لم يكن ملكا بالفعل ، وكان تكذيب من كذب بالنبي صلىاللهعليهوسلم إنما هو بتسليط الله الشياطين بوسوسته عليهم ، وأمره سبحانه بالصبر على ذلك وقص عليه من أخبار الأوابين تعليما لحسن الأوبة إن وهن الصبر ، أتبعه الإخبار عن الصابر الأواب الذي لم يتأوه إلا من وسوسة الشيطان لزوجه بما كان يفتنها ليزداد النبي صلىاللهعليهوسلم بذكر هذه الأخبار صبرا ويتضاعف إقباله على الله تعالى وتضرعه له اقتداء بإخوانه الذين لم تشغلهم عنه منحة السراء ولا محنة الضراء ، وتذكيرا لقدرة الله على كل ما يريده تنبيها على أنه قادر على رد قريش عما هم فيه ونصر المستضعفين من عباده عليهم بأيسر سعي فقال : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا) أي الذي هو أهل للإضافة إلى عظيم جنابنا ، وبينه بقوله : (أَيُّوبَ) وهو من الروم من أولاد عيص بن إسحاق عليهمالسلام لتتأسى بحاله فنصبر على قومك وإن رأيت ما لا صبر لك عليه دعوت الله في إصلاحه.
ولما أمره بذكره ، بين أن معظم المراد بعض أحواله الشريفة ليتأسى به فقال مبدلا منه بدل اشتمال : (إِذْ) أي اذكر حاله الذي كان حين : (نادى) وصرف القول عن مظهر العظمة إلى صفة الإحسان لأنه موطنه لاقتضاء حاله ذلك فقال : (رَبَّهُ) : أي المحسن إليه الذي عرف إحسانه إليه في تربيته ببلائه كما عرف امتنانه بظاهر نعمائه وآلائه ، ثم ذكر المنادى به حاكيا له بلفظه فقال مشيرا بالتأكيد إلى أنه ـ وإن كان حاله فيما عهد من شدة صبره مقتضيا عدم الشكوى ـ أتاه ما لا صبر عليه : (أَنِّي) أي رب أدعوك بسبب أني. ولما كان هنا في سياق التصبير ، عظم الأمر بإسناد الضر إلى أعدى الأعداء إلهابا إلى الإجابة وأدبا مع الله فقال : (مَسَّنِيَ) أي وأنا من أوليائك (الشَّيْطانُ) أي المحترق باللعنة البعيد من الرحمة بتسليطك له (بِنُصْبٍ) أي ضر ومشقة وهم وداء ووجع وبلاء يثقل صاحبه فيتعبه ويعييه ويكده ويجهده ويصل به إلى الغاية من كل ذلك ،
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
