دون «مقرونين» مثلا إشارة إلى شدة وثاقهم وعظيم تقرينهم. ولما كانت مانعة لهم من التصرف في أنفسهم ، جعلوا كأنهم بأجمعهم فيها وإن لم يكن فيها إلا بعض أعضائهم مثل (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) [نوح : ٧] فقال : (فِي الْأَصْفادِ) أي القيود التي يوثق بها الأسرى من حديد أو قيد أو غير ذلك ، جمع صفد ـ بالتحريك ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، فذكرت دعوة أخي سليمان (هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فرددته خاسئا (١) ، وقد حكمه الله في بعض الجن ، فحمي من الذين يطعنون دار مولده ودار هجرته ، روى أحمد في مسنده بسند حسن إن شاء الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة ، على كل نقب منهما ملك ، فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون (٢). هذا في البلدين ، وأما المدينة خاصة ففيها أحاديث عدة عن عدة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما ، وقد عوض الله نبينا صلىاللهعليهوسلم عن الشياطين التأييد بجيوش الملائكة في غزواته ، وقد كان نبينا عبدا كما اختار فلم يكن له حاجة بغير ذلك.
ولما كان ذلك ملكا عظيما ، نبه على عظمته بكثرته ودوامه وعظمة مؤتيه فقال مستأنفا بتقدير : قلنا له ونحوه : (هذا) أي الأمر الكبير (عَطاؤُنا) أي على ما لنا من العظمة ؛ ثم سبب عن ذلك إطلاق التصرف الذي هو أعظم المقاصد ، فكم من مالك لشيء وهو مغلول اليد عن التصرف فيه ، فقال بادئا بما يوجب الحب ويقبل بالقلوب دالّا على عظمته وظهور أمره بفك الإدغام : (فَامْنُنْ) أي أعط من شئت عطاء مبتدئا من غير تسبب من المعطي : (أَوْ أَمْسِكْ) أي عمن شئت.
ولما كان هذا عطاء يفوت الوصف عظمه ، زاده تعظيما بكثرته وتسهيله وسلامة العاقبة فيه فقال : (بِغَيْرِ) أي كائنا كل ذلك من العطاء والمن خاليا عن (حِسابٍ) لأنك لا تخشى من نقصه وربك هو المعطي والآمر ، ولا من كونه مما يسأل عنه في
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٦١ و ١٢١٠ و ٣٢٨٤ ومسلم ٥٤١ وأحمد ٢ / ٢٩٨ والنسائي في التفسير كما في التحفة ١٠ / ٣٢٥ والبيهقي ٢ / ٢١٩ والبغوي ٧٤٦ وابن حبان ٢٣٤٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٢) أخرجه أحمد ٢ / ٤٨٣ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وإسناده ضعيف وكان الأولى والأقرب المصنف رحمهالله أن يستشهد بحديث أنس الذي أخرجه أحمد ٣ / ١٢٣ و ٢٠٢ و ٢٧٧ والبخاري ٧١٣٤ و ٧٤٧٣ والترمذي ٢٢٤٢ واللفظ يكاد يكون نفسه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
