بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة ص
مكية ـ آياتها ثمان وثمانون
المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون ـ وإن رئي أنهم ضعفاء ، وإن تأخر نصرهم ـ غلبة آخرها سلامة للفريقين ، لأنه سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه والحمد وما معهما ، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف «ص» لأن مخرجه من طرف اللسان ، وبين أصول الثنيتين السفليتين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فكان دالّا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها ، ولأن ما له من الصفات العالية أكثر من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم ، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم يكن على أيديهم إهلاك ، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن والإنس ، وإلى ذلك الإشارة بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من أن معناه : الله صادق فيما وعد ، أو صدق محمد صلىاللهعليهوسلم ، أو صاد محمد صلىاللهعليهوسلم قلوب الخلق واستمالها ، وبه قرأ أبو عمرو في رواية شاذة على أنه فعل ماض من الصيد ، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن الصدق سيف الله في أرضه ، ما وضعه على شيء إلا قطعه ، وقد انبسط هذا الصدق الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود فاستمال كل من فيه نوع من الصدق ، ولهذا قال في السورة التي بعدها (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) [الزمر : ٣٣] فذكر هؤلاء الأنبياء عليهمالسلام شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما بين الخلق والأمر ، وتسمى سورة داود عليهالسلام ـ كما قاله ابن الجوزي رحمهالله ـ وحاله صلىاللهعليهوسلم أدل أحوال من فيها من الأنبياء على هذا المقصود ، لما كان فيه من الضعف أولا والملك آخرا (بِسْمِ اللهِ) الذي يعز من انتمى إليه وإن كان ضعيفا لأنه العزيز (الرَّحْمنِ) الذي له القدرة التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم بالسراء (الرَّحِيمِ) الذي أكرم أهل وده ، بالإعانة على لزوم شكره وحمده.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
