مِنْ آياتِنا) فهذا هو الفناء حتى عن الفناء ، ثم قال : (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فأثبت له مع ذلك الكمال.
ولما لم يجد له معينا على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهماالسلام ، قال مناديا مناداة الخواص بإسقاط الأداة : (رَبِ) أي أيها المحسن إلي (هَبْ لِي مِنَ) أي ولدا من (الصَّالِحِينَ) وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ) أي بذكر في غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة.
ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش ، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره فقال : (حَلِيمٍ) أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة ، لأنه في غاية الرزانة والثبات ، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن إبراهيم لحليم ، والحلم لا يكون إلا بعد العلم ، ورسوخ العلم سبب لوجود الحلم ، وهو اتساع الصدر لمساوىء الخلق ومدانىء أخلاقهم ، وهذا الولد هو إسماعيل عليهالسلام بلا شك لوجوه : منها وصفه بالحليم ، ووصف إسحاق عليهالسلام في سورة الحجر بالعليم ، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان شابا يرجو الولد ، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى ، وهو الذي كان بمكة موضع الذبح ، فجعلت أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول أمره عند ما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم هناك ، وأما إسحاق عليهالسلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس امرأته ، ولذلك راجع في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس ، ولو كان هو الذبيح لذكره النبي صلىاللهعليهوسلم بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال : يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله (١) ، والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة ، بل صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعا ، ولأن هذه السورة سورة التنزيه ، فأحق الناس بالذكر فيها ـ كما سلف ـ أعرق الناس في قدم التجريد ، وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملا إلى أن عولج ذبحه ، ولم يذكر ظاهرا ، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة ـ التي حالها هذا ـ من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها ، وذلك خارج عن نهج البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال ، بل هذا الحال لا يقتضي ذكر إسحاق عليهالسلام ، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه ، وما كان ذكره إلا لبيان جزاء إبراهيم عليهالسلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب التجريد والفناء ـ والله الموفق.
__________________
(١) أخرجه البخاري ٣٤٩٠ ومسلم ٢٣٧٨ وأحمد ٢ / ٤٣١ عن أبي هريرة رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
