العظيم ، فأحرقوها حتى يشتد لهبها جدا فيصير جحيما (فَأَلْقُوهُ فِي) ذلك (الْجَحِيمِ) أي معظم النار ، وهي على أشد ما يكون إيقادا.
ولما كان هذا مسببا عن إرادتهم لإهانته قال : (فَأَرادُوا بِهِ) أي إبراهيم عليهالسلام بسبب هذا الذي عملوه (كَيْداً) أي تدبيرا يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر من عجزهم دينهم (فَجَعَلْناهُمُ) أي بعظمتنا بسبب عملهم (الْأَسْفَلِينَ) المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه بردا وسلاما بضد عادتها في العمل ، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة ، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم ، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليهالسلام ، وظهرت قدرتنا واختيارنا ، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف ، فكل هذه المعاني ـ كما ترى ـ تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي.
ولما كان التقدير : فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد ، عطف عليه قوله : (وَقالَ) أي إبراهيم عليهالسلام لمن يتوسم فيه أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكدا لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به : (إِنِّي ذاهِبٌ) أي مهاجر من غير تردد ، قالوا : وهو أول من هاجر من الخلق (إِلى رَبِّي) أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إليّ بالهجرة إليه ، فلا يحجر عليّ أحد في عبادته فيه.
ولما كان حال سامعه جديرا بأن يقول : من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح ، وما تفعل في التوصل إليه؟ قال : (سَيَهْدِينِ) أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها ، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب عليه دليلا يهدي إليه ، ويسهل لقاصده المجتهد في أمره سبيله ، وقد اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية ، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليهالسلام ، وعبر عن أمر الكليم عليهالسلام بقوله (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) [الأعراف : ١٤٣] وعن أمر الحبيب عليهالسلام بقوله (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) [الإسراء : ١] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات : إبراهيم عليهالسلام كان بعين الفرق ـ يعني أنه بعد ما كان فيه من الجمع حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك ـ وموسى عليهالسلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولا ، ثم أخبر أنه قال (رَبِّ أَرِنِي) فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو الفناء ، ونبينا صلىاللهعليهوسلم بعين جمع الجمع ـ لأنه لم ينسب إليه قول ولا فعل ، بل هو المراد إلى أن قال (لِنُرِيَهُ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
