(وَالْقَمَرَ) آية لليل كذلك! ثم استأنف ما سخرا فيه فقال : (كُلٌ) أي منهما (يَجْرِي) أي في فلكه سائرا متماديا وبالغا ومنتهيا.
ولما كان محط مقصود السورة الحكمة ، وكانت هذه الدار مرتبطة بحكمة الأسباب والتطوير ، والمد في الإبداع والتسيير ، كان الموضع لحرف الغاية فقال : (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك لا يزيد ولا ينقص ، هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة ، لا يقدر واحد منهما أن يتعدى طوره ، ولا أن ينقص دوره ، ولا أن يغير سيره.
ولما بان بهذا التدبير المحكم ، في هذا الخلق الأعظم ، شمول علمه وتمام قدرته ، عطف على (أَنَّ اللهَ) ، قوله مؤكدا لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها : (وَأَنَّ اللهَ) أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها ، وقدم الجار إشارة إلى تمام علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير مرة ، وعم بالخطاب بيانا لما قبله وترغيبا وترهيبا فقال : (بِما تَعْمَلُونَ) أي في كل وقت على سبيل التجدد (خَبِيرٌ) لا يعجزه شيء منه ولا يخفى عنه ، لأنه الخالق له كله دقه وجله ، وليس للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه ، ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلا ، وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلة من أمور العباد ، فكان ما قاله كما قاله ، لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما قاله ، فتمت كلماته ، وصدقت إشاراته وعباراته ، وهذا دليل آخر على تمام القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر ، وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون ، وهو سبحانه الموجد لذلك كله في كل أن دائما ما تعاقب الملوان ، وبقي الزمان ، لا يشغله شأن منه عن شأن ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية العلم به. لما ذكر من دليله ، ولما شاهدوا من إخبار النبي صلىاللهعليهوسلم عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين ، منهم البعيد جدا والمتوسط والقريب ، وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك ، هذا علمهم فكيف يكون علم المخصوص في هذه الآية بالخطاب صلىاللهعليهوسلم ، مع ما يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى ، ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات والأرض وغير ذلك مما أطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة.
ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا الله قال : (ذلِكَ) أي ذكره لما ذكر من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة (بِأَنَ) أي بسبب أن (اللهَ) أي الذي لا عظيم سواه (هُوَ) وحده (الْحَقُ) أي الثابت بالحقيقة وثبوت
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
