وأعاد النافي نصا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال : (وَلا بَعْثُكُمْ) كلكم (إِلَّا كَنَفْسٍ) أي كبعث نفس ، وبين الإفراد تحقيقا للمراد ، وتأكيدا للسهولة فقال : (واحِدَةٍ) فإن كلماته مع كونها غير نافدة نافذة ، وقدرته مع كونها باقية بالغة ، فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد سواء ، لأنه لا يشغله شأن عن شأن ؛ ثم دل على ذلك بقوله مؤكدا لأن تكذيبهم لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه ومسمع : (إِنَّ اللهَ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة (سَمِيعٌ) أي بالغ السمع يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره (بَصِيرٌ) بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني ، ومن كان كذلك كان محيط العلم بالغه شامل القدرة تامها ، فهو يبصر جميع الأجزاء من كل ميت ، ويسمع كل ما يسمع من معانيه ، فهو بإحاطة علمه وشمول قدرته يجمع تلك الأجزاء ، ويميز بعضها من بعض ، ويودعها تلك المعاني ، فإذا هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر.
ولما قرر هذه الآية الخارقة ، دل عليها بأمر محسوس يشاهد كل يوم مرتين ، مع دلالته على تسخير ما في السماوات والأرض ، وإبطال قولهم : (ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية : ٢٤] بأنه ، هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك ، خاصا بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره ، أو عاما كل عاقل ، إشارة إلى أنه في دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال : (أَلَمْ تَرَ) أي يا من يصلح لمثل هذا الخطاب ، ويمكن أن يكون للنبي صلىاللهعليهوسلم لأنه لا يعلم ذلك من المخلوقين حق علمه غيره.
ولما كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه ، فكان إنكاره إنكارا لهذا ، نبه على ذلك بالتأكيد فقال : (أَنَّ اللهَ) أي بجلاله وعز كماله (يُولِجُ) أي يدخل إدخالا لا مرية فيه (اللَّيْلَ فِي النَّهارِ) فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه ، فإذا النهار قد عم الأرض كلها أسرع من اللمح (وَيُولِجُ النَّهارَ) أي يدخله كذلك (فِي اللَّيْلِ) فيخفي حتى لا يبقى له أثر ؛ فإذا الليل قد طبق الآفاق : مشارقها ومغاربها في مثل الظرف ، فيميز سبحانه كلّا منهما ـ وهو معنى من المعاني ـ من الآخر بعد اضمحلاله ، فكذلك الخلق والبعث في قدرته بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره ، ولما كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة ، عبر فيه بالمضارع.
ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفا على طريق معلوم بقدر لا يختلف ، عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ) آية للنهار بدخول الليل فيه
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
