يفهم أن الرسالة حق ، وكلّا من المرسل والرسول محق (بَشِيراً) أي لمن أطاع (وَنَذِيراً) أي لمن عصى ، والعطف بالواو للدلالة على العراقة في كل من الصفتين.
ولما كان مما يسهل القياد ويضعف الجماح التأسية ، قال مؤكدا دفعا لاستبعاد الإرسال إلى جميع الأمم : (وَإِنْ) أي والحال أنه ما (مِنْ أُمَّةٍ) من الأمم الماضية (إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) أرسلناه إليهم بشيرا ونذيرا إما بنفسه وإما بما أبقى في أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه مع ما لهم من العقول الشاهدة بذلك ، والنذارة دالة على البشارة ، واقتصر عليها لأنها هي التي تقع بها التسلية لما فيها من المشقة ، ولأن من الأنبياء الماضين عليهمالسلام من تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له.
ولما كان صلىاللهعليهوسلم شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفا من أن يكون ذلك لتقصير في حاله ، وكان التقدير : فإن يصدقوك فهو حظهم في الدنيا والآخرة ، عطف عليه تأسية له وتسلية قوله : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ) أي فتسل لأنه قد (كَذَّبَ الَّذِينَ) ولما كان المكذبون بعض الناس ، فلزم لذلك أن يكونوا في بعض الزمان ، دل على ذلك بالجار فقال : (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي ما أتتهم به رسلهم عن الله.
ولما كان قبول الرسل لما جاءهم عن الله ونفى التقصير في الإبلاغ عنهم دالّا على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم ، وكل ذلك دالّا على تمام قدرة الله تعالى في المفاوتة بين الخلق ، قال دالّا على أمري العلو والسفول استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل كان تكذيبهم عنادا أو لنقص في البيان : (جاءَتْهُمْ) أي الأمم الخالية (رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) أي الآيات الواضحات في الدلالة على صحة الرسالة. ولما كان التصديق بالكتاب لازما لكل من بلغه أمره ، وكانت نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمرا معجبا ، كان الأمر حريا بالتأكيد لئلا يظن أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب ، فأكد بإعادة الجار فقال : (وَبِالزُّبُرِ) أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من السنن والأسرار (وَبِالْكِتابِ) أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل (الْمُنِيرِ) أي الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كان طريقك أوضح وأظهر ، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر.
ولما سلاه ، هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال ، صارفا القول إلى الإفراد دفعا لكل لبس ، مشيرا بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ينبغي أن يكون سببا للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال : (ثُمَّ أَخَذْتُ) أي بأنواع الأخذ (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم ودعائهم لهم. ولما كان أخذ
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
