للكافرين في صعوبة الموت وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ولا يقر به الكفار من الشقاوة والسعادة.
ولما كان ما ذكر على هذا الوجه ـ من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار وعلى ضلال من أشرك به شيئا لأنه لا يشابهه شيء ـ بمكان ليس معه خفاء ، ومن الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب السامع ممن يأباه ، فقال مزيلا عجبه مقررا أن الخشية والقسوة إنما هما بيده ، وأن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه ، مسليا لنبيه صلىاللهعليهوسلم ، مؤكدا ردا على من يرى لغيره سبحانه فعلا من خير أو شر : (إِنَّ اللهَ) أي القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة بصفات الكمال ، وعبر بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك في كل وقت أراده سبحانه فقال : (يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ) أي فيهديه ولو لم يكن له قابلية في العادة كالجمادات ، ويصم من يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء القلوب والأرواح ، وأموات المعاني والأشباح ، والمعنى أن إسماعهم لو كان مستندا إلى الطبائع لاستووا إما بالإجابة أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على حد سواء ، فالآية تقرير آية (إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ).
ولما كان المعرض قد ساوى الميت في حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ويسمع من الخوارق ، فكان كأنه ميت ، قال معبرا بالاسمية تنبيها على عدم إثبات ذلك له صلىاللهعليهوسلم : (وَما أَنْتَ) أي بنفسك من غير إقدار الله لك ، وأعرق في النفي فقال : (بِمُسْمِعٍ) أي بوجه من الوجوه (مَنْ فِي الْقُبُورِ) أي الحسية والمعنوية ، إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، والآية دليل على البعث.
ولما كان هذا خاصة الإله ، أشار إلى نفيه عنه مقتصرا على وصف النذارة ، إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب ، فقال مؤكدا للرد على من يظن أن النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا بإقداره (إِنْ) أي ما (أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) أي تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ، ولست بوكيل يقهرهم على الإيمان.
ولما كان صلىاللهعليهوسلم نبي الرحمة ، وكان الاقتصار على هذا الوصف ربما أوهم غير ذلك ، أتبعه قوله بيانا لعظمته صلىاللهعليهوسلم بالالتفات إلى مظهر العظمة لأن عظمة الرسول من عظمة المرسل فنذارته رحمة : (إِنَّا) أي بما لنا من العظمة (أَرْسَلْناكَ) أي إلى هذه الأمة إرسالا مصحوبا (بِالْحَقِ) أي الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع ، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة الواقع لما تأمر به ، والتقدير بالمصدر
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
