سبحانه ، فبطل قول من قال : إنه فرغ من الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك زيادة ، كاليهود وغيرهم على أن لهذا المذهب من الضعف والوهي ما لا يخفى غير أنه سبحانه أوضح جميع السبل ، ولم يدع بشيء منها لبسا : (ما يَشاءُ) فلا بدع في أن يوجد دارا أخرى تكون لدينونة العباد ، ثم علل ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم البعث : (إِنَّ اللهَ) أي الجامع لجميع أوصاف الكمال (عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو قادر على البعث فاعل له لا محالة.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض ، ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة ، أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه ، وأنه الأهل للحمد والمستحق ، إذ الكل خلقه وملكه ، ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه ، فقد أعطي داود وسليمان عليهماالسلام ما هو كالنقطة من البحار الزاخرة ، فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة خاضعة (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) [سبأ : ٢٢] تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند ، وتقدس ملكه عن أن تحصره العقول أو تحيط به الأفهام ، فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه ، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق ، ويشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى) الآية ، وقوله (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ) وقوله : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) الآية ، وقوله : (اللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً) الآية (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا) فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق ، والاختراع أو مشيرة ولم يقع من ذلك في سورة سبأ آية واحدة ، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف فيه والاستبداد بذلك والإبداد ، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان عليهماالسلام ، وقوله سبحانه (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) الآيات يتضح لك ما ذكرناه وما انجرّ في السورتين مما ظاهره الخروج عن هذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي ـ رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه ـ انتهى.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
