دائرة قدرته بالممكنات (الرَّحْمنِ) الذي أتم بالبعث عموم الرحمة (الرَّحِيمِ) الذي شرف أهل الكرامة بدوام الإقامة في دار المقامة.
ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني ، ودل عليه بجزئيات من القدرة على أشياء في الكون ، إلى أن ختم بأخذ الكفار أخذا اضطرهم إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم ظهور ، وبالحيلولة بينهم وبين جميع ما يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة الأموال والأولاد ، وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد ، وكان الحمد يكون بالمنع والإعدام ، كما يكون بالإعطاء والإنعام ، قال تعالى ما هو نتيجة ذلك : (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا (لِلَّهِ) أي وحده.
ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك ، قال دالّا على استحقاقه للمحامد : (فاطِرِ) أي مبتدىء ومبتدع (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي المتقدم أن له ما فيهما بأن شق العدم بإخراجهما منه ابتداء على غير مثال سبق كما تشاهدون ولما كانت الملائكة إفرادا وجمعا مثل الخافقين في أن كلّا منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة ، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة يوم القيامة ، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر ، أخبر عنهم بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم ، فقال مبينا بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار : (جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً) أي لما شاء من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين (أُولِي أَجْنِحَةٍ) أي تهيؤهم لما يراد منهم ؛ ثم وصف الأجنحة فقال : (مَثْنى) أي جناحين جناحين لكل واحد لمن لا يحتاج فيما صرف فيه إلى أكثر من ذلك ، ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين. ولما كان ذلك زوجا نبه على أنه لا يتقيد بالزوج فقال : (وَثُلاثَ) أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم. ولما كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه ، نبه بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر فقال : (وَرُباعَ) أي أربعة لكل واحد من صنف آخر منهم.
ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها ، وإلا لوجب كون الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل ، كانت نتيجة ذلك : (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ) أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وغيرهم ، ومعاني لا تدخل تحت حصر من الذوات والألوان والمقادير والأشكال وخفة الروح واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت والصيت والفصاحة والسذاجة والمكر والسخاوة والبخل وعلو الهمة وسفولها ـ وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف مما لا يقدر على الإحاطة به غيره
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
