العلوي فيه ، وليس في العالم العلوي ما فيه ، فقد جمع ما بين العالمين بنفسه وجسده ، واستجمع الكونين بعقله وحسه ، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا ، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا. ثم علل الأمر بالشكر محذرا فقال : (إِلَيَ) لا إلى غيري (الْمَصِيرُ) أي فأسألك عن ذلك كما كانت منهما البداءة ظاهرا بما جعلت لهما من التسبب في ذلك ، فيسألانك عن القيام بحقوقهما وإن قصرت فيها شكواك إلى الناس وأقاما عليك الحجة وأخذا بحقهما.
ولما ذكر سبحانه وصيته بهما وأكد حقهما ، أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان عليهالسلام من قباحة الشرك فقال : (وَإِنْ جاهَداكَ) أي مع ما أمرتك به من طاعتهما ، وأشار بصيغة المفاعلة إلى مخالفتهما وإن بالغا في الحمل على ذلك (عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي) وأشار بأداة الاستعلاء إلى أنه لا مطمع لمن أطاعهما في ذلك ولو باللفظ فقط أن يكون في عداد المحسنين وإن كان الوالدان في غاية العلو والتمكن من الأسباب الفاتنة له بخلاف سورة العنكبوت فإنها لمطلق الفتنة ، وليست لقوة الكفار ، فعبر فيها بلام العلة ، إشارة إلى مطلق الجهاد الصادق بقويه وضعيفه ، ففي الموضعين نوع رمز إلى أنه إن ضعف عنهما أطاع باللسان ، ولم يخرجه ذلك عن الإيمان ، كما أخرجه هنا عن الوصف بالإحسان ، ولذلك حذر في الآية التي بعد تلك من النفاق لأجل الفتنة ، وأحال سبحانه على اتباع الأدلة على حكم ما وهب من العقل عدلا وإنصافا فقال : (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) إشارة إلى أنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بنوع من أنواع الدلالات بل العلوم كلها دالة على الوحدانية على الوجه الذي تطابقت عليه العقول ، وتظافرت عليه من الأنبياء والرسل النقول ، وأما الوجه الذي سماه أهل الإلحاد بمذهب الاتحاد توحيدا فقد كفى في أنه ليس به علم إطباقهم على أنه خارج عن طور العقل ، مخالف لكل ما ورد عن الأنبياء من نقل ، وإن لبسوا بادعاء متابعة بعض الآيات كما بينه كتابي الفارض ، فلا يمكن أن يتمذهب به أحد إلا بعد الانسلاخ من العقل والتكذيب بالنقل ، فلم يناد أحد على نفسه بالإبطال ما نادوا به على أنفسهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد.
فلما قرر ذلك على هذا المنوال البديع ، قال مسببا عنه : (فَلا تُطِعْهُما) أي في ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه ، بل خالفهما ، وإن أدى الأمر إلى السيف فجاهدهما به ، لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور والسفه ، ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك.
ولما كان هذا قد يفهم الإعراض عنهما رأسا في كل أمر إذا خالفا في الدين ، أشار
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
