ما أوصاه به في حقنا ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر بما يشمل غيره فقال : (الْإِنْسانَ) أي هذا النوع على لسان أول نبي أرسلنا وهلم جرا وبما ركزناه في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان (بِوالِدَيْهِ) فكأنه قال : إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء نوعه لوصيتنا لأولادهم بهم فشكرنا ولقن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران لنعمة المنعم ، فانتهى في نفسه ونهى ولده ، فكان بذلك حكيما.
ولما كانت الأم في مقام الاحتقار لما للأب من العظمة بالقوة والعقل والكد عليها وعلى ولدها ، نوه بها ونبه على ما يختص به من أسباب وجود الولد وبقائه عن الأب مما حصل لها من المشقة بسببه وما لها إليه من التربية. فقال معللا أو مستأنفا : (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً) أي حال كونها ذات وهن تحمله في أحشائها ، وبالغ بجعلها نفس الفعل دلالة على شدة ذلك الضعف بتضاعفه كلما أثقلت (عَلى وَهْنٍ) أي هو قائم بها من نفس خلقها وتركيبها إلى ما يزيدها التمادي بالحمل ، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله : (وَفِصالُهُ) أي فطامه من الرضاعة بعد وضعه.
ولما كان الوالدان يعدان وجدان الولد من أعظم أسباب الخير والسرور ، عبر في أمره بالعام الذي تدور مادته على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه وتعظيما لحقهما بالتعبير بما يشير إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه فقال : (فِي عامَيْنِ) تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا لله تعالى ، وفي التعبير بالعام أيضا إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد أيام رضاعه ـ مع كونها أضعف ما يكون في تربيته ـ أيام سعة وسرور ، والتعبير ب «في» مشير إلى أن الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما على حسب ما يحتمله حاله ، وتدعو إليه المصلحة من أمره.
ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها ، ذكر الموصى به فقال مفسرا ل (وَصَّيْنَا) : (أَنِ اشْكُرْ) ولما كان الشكر منظورا إليه أتم نظر ، قصر فعله ، أي أوجد هذه الحقيقة ولتكن من همك. ولما كان لا بد له من متعلق ، كان كأنه قال : لمن؟ فقال مقدما ما هو أساس الموصى به في الوالدين ليكون معتدا به ، لافتا القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم تنصيصا على المراد : (لِي) أي لأني المنعم بالحقيقة (وَلِوالِدَيْكَ) لكوني جعلتهما سببا لوجودك والإحسان بتربيتك ، وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب من لوامعه : الموجودات كلها كالشجرة ، والإنسان ثمرتها ، وهي كالقشور والإنسان لبابها ، وكالمبادىء والإنسان كمالها ، ومن أين للعالم ما للإنسان؟ بل العالم
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
