ولما كان الجواب : ليس به شيء من ذلك ، عطف عليه مخبرا عن بعض الذين كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر قوله : (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي لا يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر (بِالْآخِرَةِ) أي الفطرة الآخرة التي أدل شيء عليها الفطرة الأولى. ولما كان هذا القول مسببا عن ضلالهم ، وكان ضلالهم سببا لعذابهم ، قدم العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله إيمانه فقال : (فِي الْعَذابِ) أي في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله إتمامه ، وفي الآخرة بما فيه من المعصية ، وأتبعه سببه فقال : (وَالضَّلالِ) أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض.
ولما كان قولهم بعيدا من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال ، وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة ، قال واصفا له بوصف الضال : (الْبَعِيدِ) فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك عنه ، وعلم أن من الذين كفروا قسما لم يطبعوا على الكفر ، فضلوا ضلالا قريبا يمكن انفكاكهم عنه ، وهم الذين آمنوا منهم بعد ، وهو من بديع القول حيث عبر بهذا الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه : بل هم في كذا.
ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته ، فقطعوا جهلا بأن الله تعالى لا يقول ذلك ، فنسبوا الصادق صلىاللهعليهوسلم في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين : تعمد الكذب أو الجنون. شرع سبحانه يدل على صدقه في جميع ما أخبر به ، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك بما يشاهدون من قدرته على ما هو مثله ، أو أعظم منه ، مشيرا إلى أن إنكارهم لذلك مستند إلى ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات ، فكان المعنى : ضلوا فلم يروا ، فدل عليه منكرا عليهم مهددا لهم مقررا لذوي العقول من السامعين بقوله : (أَفَلَمْ يَرَوْا) ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية فقال : (إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي أمامهم (وَما خَلْفَهُمْ) وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كل من الخافقين وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم. ولما لم تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال : (مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي اللذين جعلنا مطلع السورة أن لنا كل ما فيهما.
ولما كان الإنكار لائقا بمقام العظمة ، فكان المعنى : إنا نفعل بهما وفيهما ما نشاء ، عبر عنه بقوله : (إِنْ نَشَأْ) بما لنا من العظمة ـ على قراءة الجمهور (نَخْسِفْ) أي تغور (بِهِمُ) وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح وهو أكثر ـ بما أشارت إليه قراءة
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
