قال ابن ميلق : من حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله ، وأن يعاقب بينهما في الظهور فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ويبقي إلى غير ذلك ، فما من سابق عدل إلا له لاحق فضل ، ولا سابق فضل إلا له لاحق عدل ، غير أن أثر العدل والفضل قد يتعلق بالبواطن خاصة ، وقد يتعلق أحدهما بالظاهر والآخر بالباطن ، وقد يكون اختلاف تعلقهما في حالة واحدة ، وقد يكون على البدل ، وعلى قدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق.
ولما كانت الحكمة قاضية بذلك ، أجرى الله سبحانه آثار عدله على ظواهر أصفيائه دون بواطنهم ، ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها كالنجاشي حيث بيع في صغره ، وذلك كثير موجود بالاستقراء ، فمن كمال تربية الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتأديب ـ إلى غير ذلك من فوائد التربية ، ومن تتبع أحوال الأكابر من آدم عليهالسلام وهلم جرا رأى من حسن بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء الله تعالى ـ انتهى.
ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال : (أَنِ اشْكُرْ) وهو وإن كان تقديره : قلنا له كذا ، يؤول إلى «آتيناه الشكر» وصرف الكلام إلى الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعا للتعنت ، ونقلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منها فقال : (لِلَّهِ) بأن وفقناه له بما سببناه له من الأمر به لأن الحكمة في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به ، ويمكن أن تكون «أن» مصدرية ، ويكون التقدير : آتيناه إياها بسبب الشكر ، وعبر بفعل الأمر إعلاما بأن شكره كان لامتثال الأمر ليكون أعلى.
ولما كان التقدير : فبادر وشكر ، فما نفع إلا نفسه ، كما أنه لو كفر ما ضر إلا نفسه ، عطف عليه معرفا أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبرا بالمضارع الدال على أن من أقبل عليه ـ في أيّ زمان كان ـ يلقاه ويكون معروفه له دائما بدوام العمل : (وَمَنْ يَشْكُرْ) أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائنا من كان (فَإِنَّما يَشْكُرُ) أي يفعل ذلك (لِنَفْسِهِ) أي فإنما ينفع نفسه ، فإن الله يزيده من فضله فإن الله شكور مجيد (وَمَنْ كَفَرَ) فإنما يضر نفسه ، وعبر بالماضي إشارة إلى أن من وقع منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه (فَإِنَّ اللهَ) عبر بالاسم الأعظم لأنه في سياق الحكمة ، والحكيم من أدام استحضار صفات الجلال والجمال فغلب خوفه رجاءه ما دام في دار الأكدار (غَنِيٌ) عن الشكر وغيره (حَمِيدٌ) أي له جميع المحامد وإن كفره جميع الخلائق ، فإن
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
