بالرسالة : (وَلَقَدْ آتَيْنا) بما لنا من العظمة والحكمة (لُقْمانَ) وهو عبد من عبيدنا (الْحِكْمَةَ) وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم ، وقال الحرالي : هي العلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم ، والحكم الحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية ، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم ، وقال ابن ميلق : إن مدارها على إصابة الحق والصواب في القول والعمل ، ولهذا قال ابن قتيبة : لا يقال لشخص حكيما حتى تجتمع له الحكمة في القول والفعل ، قال : ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى يكون عاملا بها ـ انتهى. ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «حقا أقول! لم يكن لقمان نبيا ، ولكن كان عبدا ضمضامة كثير التفكر حسن اليقين ، أحب الله فأحبه ، فمنّ عليه بالحكمة ، كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء ، قيل : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق ، فأجاب : إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء ، وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة ، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك ربي عصمني وأعانني ، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان؟ قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه الظلم من كل مكان ، إن يعدل فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون شريفا ، ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة ، فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها» (١). وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في العزلة وواحد في الصمت» (٢) ، وقال لقمان : لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس ، وقال : ضرب الوالد لولده كالسماء للزرع ، وقيل له : أيّ الناس شر؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا ، وقيل له : ما أقبح وجهك! فقال : تعيب النقش أو النقاش ، وقال البغوي : إنه قيل له : لم بلغت ما بلغت؟ قال : بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني ـ انتهى. فهو سبحانه من حكمته وحكمه أن يرفع ما يشاء بما يعلمه منه من سلامة الطبع وإن كان عبدا فلا يدع أن يختص محمدا صلىاللهعليهوسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف في كل خلق شريف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها ،
__________________
(١) أخرج الديلمي ٥٣٨٤ صدره فقط من حديث ابن عمر ، وإسناده ضعيف ، وذكره البغوي في تفسيره ٣ / ٤٢٣ مطولا بقوله : قال بعضهم.
(٢) أخرجه الديلمي ٢٧٧١ وابن عدي ٦ / ٤٤٢ من حديث أبي هريرة ، وأعله ابن عدي بمحرز بن هارون المديني ، ونقل عن البخاري قوله : منكر الحديث.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
