ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة منافيا لأبوة الرجال قال : (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) أي لأن رسالته عامة ونبوته معها إعجاز القرآن ، فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال ، فلا يولد بعده من يكون نبيا ، وذلك مقتض لئلا يبلغ له ولد يولد منه مبلغ الرجال ، ولو قضي أن يكون بعده نبي لما كان إلا من نسله إكراما له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم شرفا ، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها ، ولو صار أحد من ولده رجلا لكان نبيا بعد ظهور نبوته ، وقد قضى الله ألا يكون بعده نبي إكراما له ، روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال في ابنه إبراهيم : «لو عاش لكان صديقا نبيا» (١) ، وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب (٢) رضي الله عنه ، وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه : لو قضى أن يكون بعد محمد صلىاللهعليهوسلم نبي لعاش ابنه ، ولكن لا نبي بعده (٣). والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي بشرع جديد مطلقا ولا يتجدد بعده أيضا استنباء نبي مطلقا ، فقد آل الأمر إلى أن التقدير : ما كان محمد بحيث يتجدد بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان ـ مع أنه رسول الله ـ ختاما للنبوة غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من النكت وغيرها ، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتما على أبلغ وجه وأعظمه ، وذلك أنها في سياق الإنكار لأن يكون بنيه أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية بغير جهة الإدلاء بأنثى أو كونه رسولا وخاتما ، صونا لمقام النبوة أن يتجدد بعده لأحد لأنه لو كان ذلك بشر لم يكن إلا ولدا له ، وإنما أوثرت إماتة أولاده عليه الصلاة والسّلام وتأثير قلبه الشريف بها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد كائنا من كان ، وذلك لأن فائدة إتيان النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله ، وقد حصل به صلىاللهعليهوسلم التمام فلم يبق بعد ذلك مرام «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (٤)
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٢٨١ و ١٣٣ من حديث أنس وإسناد حسن وأخرجه ابن ماجه ١٥١١ من حديث ابن عباس. قال البوصيري في الزوائد : في إسناده إبراهيم بن عثمان أبو شيبة قاضي واسط ، قال فيه البخاري : سكتوا عنه ، وقال ابن معين : ليس بثقة ، وقال أحمد : منكر الحديث ، وقال النسائي : متروك الحديث ا ه. وفيه الحكم بن عتيبة وقد عنعنه.
(٢) حديث البراء أخرجه البخاري ٦١٩٥ مرفوعا بلفظ : «إن له مرضعا في الجنة» وأخرجه أيضا أحمد ٤ / ٢٨٣ و ٢٨٩ ومسلم ٢٣١٦ من حديث أنس.
(٣) أخرجه البخاري ٦١٩٤ وابن ماجه ١٥١٠ من حديث ابن أبي أوفى موقوفا.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢٧٣ والحاكم ٢ / ٦١٣ والقضاعي ١١٦٥ وابن سعد ١ / ١٩٢ وأحمد ٢ / ٣٩٨ من حديث أبي هريرة ، صححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ورواه مالك في الموطأ ٢ / ٩٠٤ بلاغا ، وقال ابن عبد البر : هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره.
![نظم الدّرر [ ج ٦ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4708_nazm-aldurar-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
