وغيره ، ودعائهم إلى التوحيد ، والمجاهدة في الله على ذلك حق الجهاد ، وهو أعظم آباء الرادين لهذا الذكر ، والمستمسكين بالشرك تقليدا للآباء ، إثباتا للقدرة الباهرة الدالة على التوحيد الداعي إليه جميع هؤلاء الأصفياء ، هذا مع مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام ومشاركته لهما في الهجرة ، وإذا تأملت ما في سورتي الفرقان والشعراء ازداد ما قلته وضوحا ، فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا (لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) [الفرقان : ٣٢] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في الألواح من كل شيء ، وقومه مقرّون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر العقول ، وكفر به مع ذلك كثير منهم. ولما قال في الشعراء (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ) ـ [الآية : ٥] كما هنا ، صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى عليهالسلام وإيلائها ذكر إبراهيم عليهالسلام فقال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا) بما لنا من العظمة (إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أي صلاحه وإصابته وجه الأمر واهتداءه إلى عين الصواب وأدل الدلالة وأعرف العرف وأشرف القصد الذي جبلناه عليه ؛ وقال الرازي في اللوامع : والرشد قوة بعد الهداية ـ انتهى. وأضافه إليه إشارة إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر الإسلام على غيره من الملل (مِنْ قَبْلُ) أي قبل موسى وهارون عليهماالسلام (وَكُنَّا) بما لنا من العظمة (بِهِ) ظاهرا وباطنا (عالِمِينَ) بأنه جبلة خير يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع الخير ؛ وتعليق (إِذْ قالَ) أي إبراهيم (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) ب (عالِمِينَ) إشارة إلى أن قوله لما كان بإذن منا ورضى لنا نصرناه ـ وهو وحده ـ على قومه كلهم ، ولو لم يكن يرضينا لمنعناه منه بنصر قومه عليه وتمكين النار منه ، فهو مثل ما مضى في قوله (قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) ومفهوم هذا القيد لا يضر لأنه لا يحصي ما ينفيه من المنطوقات ، وإن شئت فعلقه ب (آياتِنا) ؛ ثم ذكر مقول القول في قوله منكرا عليهم محقرا لأصنامهم في أسلوب التجاهل لإثبات دعوى جهلهم بدليل : (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) أي الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح ، جاعلين بها ما لا يكون إلا لمن لا مثل له ، وهي الأصنام (الَّتِي أَنْتُمْ لَها) أي لأجلها وحدها ، مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها (عاكِفُونَ) أي موقعون الإقبال عليها مواظبون على ذلك ، فبأي معنى استحقت منكم هذا الاختصاص ، وإنما هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة التي أفاضها الله عليه.
ولما أتاهم بهذا القاصم ، استأنف الخبر سبحانه عن جوابهم بقوله : (قالُوا)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
