الدهر. ولما كانت جميع الرتب تحت رتبته سبحانه ، أثبت حرف الابتداء فقال محقرا لهم : (مِنْ دُونِنا) أي من مكروه هو تحت إرادتنا ومن جهة غير جهتنا.
ولما كان الجواب قطعا : ليس لهم ذلك ، وهو بمعنى الاستفهام ، استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب ، ويجوز أن يكون تعليلا ، فقال : (لا يَسْتَطِيعُونَ) أي الآلهة التي يزعمون أنها تنفعهم ، أو هم ـ لأنهم لا مانع لهم من دوننا ـ (نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) من دون إرادتنا فكيف بغيرهم ، أو يكون ذلك صفة الآلهة على طريق التهكم (وَلا هُمْ) أي الكفار أو الآلهة (مِنَّا) أي بما لنا من العظمة (يُصْحَبُونَ) بوجه من وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا ، فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلا ورأسا.
ولما لم يصلح هذا لأن يكون سببا لاجترائهم ، أضرب عنه قائلا في مظهر العظمة ، إشارة إلى أن اغترارهم به سبحانه ـ مع ما له من دلائل الجلال ـ من أعجب العجب ، بانيا على نحو «لا كالىء لهم منه ولا مانع» : (بَلْ مَتَّعْنا) أي بعظمتنا (هؤُلاءِ) أي الكفار على حقارتهم ، أو الإضراب عن عدم استطاعتهم للنصر ، والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم بما لا يتغير به إلا مغرور ، لا من مانع يمنعهم (وَآباءَهُمْ) من قبلهم بالنصر وغيره (حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) فكان طول سلامتهم غارا لهم بنا ، فظنوا أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء ، ولا ينزع عنهم ثوب النعمة.
ولما أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في اعتقاد غيره فقال : (أَفَلا يَرَوْنَ) أي يعلمون علما هو في وضوحه مثل الرؤية بالبصر (أَنَّا) بما لنا من العظمة ، وصور ما كان يجريه من عظمته على أيدي أوليائه فقال : (نَأْتِي الْأَرْضَ) أي التي أهلها كفار ، إتيان غلبة لهم بتسليط أوليائنا عليهم. ولما كان الإتيان على ضروب شتى ، بيّنه بقوله : (نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) بقتل بعضهم وردّ من بقي عن دينه إلى الإسلام ، فهم في نقص ، وأولياؤنا في زيادة.
ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية بأنهم المغلوبون ، تسبب عنه إنكار غير ذلك فقال : (أَفَهُمُ) أي خاصة (الْغالِبُونَ) أي مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا.
(قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
