ولما كان مطبوعا على العجلة قال : (مِنْ عَجَلٍ) فلذا يكفر ، لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك ، وأن التأخير ما هو إلا عن عجز أو عن رضى ؛ ثم قال تعالى مهددا للمكذبين : (سَأُرِيكُمْ) حقا (آياتِي) القاصمة والعاصمة ، بهجرة النبي صلىاللهعليهوسلم ومن عندكم من أتباعه المستضعفين وخلافتهم بين أيديكم وجعلهم شجا في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغير ذلك من العظائم (فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره ، فإني منزه عن العجلة التي هي من جملة نقائصكم.
ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء قبل أوانه ، ونهى عنها ، قال دالا عليها عاطفا على عامل (هذَا) : (وَيَقُولُونَ) أي في استهزائهم بأولياء الله : (مَتى هذَا) وتهكموا بقولهم : (الْوَعْدُ) أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدماتها وغيرها ، وزادوا في الإلهاب والتهييج تكذيبا فقالوا : (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي عريقين في هذا الوصف جدا ـ بما دل عليه الوصف وفعل الكون.
ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل الجهلة باستحالة الممكن ، استأنف الجواب عن كلامهم بنفي العلم عنهم في الحال والمآل دون المعاينة على طريق التهكم والاستهزاء بهم : (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وذكر المفعول به فقال : (حِينَ) أي لو تجدد لهم علم ما بالوقت الذي يستعجلون به ؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك الوقت فقال : (لا يَكُفُّونَ) أي فيه بأنفسهم (عَنْ وُجُوهِهِمُ) التي هي أشرف أعضائهم (النَّارَ) استسلاما وضعفا وعجزا (وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ) التي هي أشد أجسادهم ، فعرف من هذا أنها قد أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهرا ولا باطنا بأنفسهم ولا بغيرهم ، لم يقولوا شيئا من ذلك الكفر والاستهزاء والاستعجال ، ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع العلم إلا عند الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي بالتدريج كغيرها ، وهذا معنى (بَلْ تَأْتِيهِمْ) أي الساعة التي هي ظرف لجميع تلك الأحوال وهي معلومة لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن (بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ) أي تدعهم باهتين حائرين ؛ ثم سبب عن بهتهم قوله : (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها) أي لا يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم عنه (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي يمهلون من ممهل ما ليتداركوا ما أعد لهم فيها ، فيا شدة أسفهم على التفريط في الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه الدار ، وصرفهم إياها في لذات أكثرها أكدار.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
