هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم؟ قالوا : صبأ عمر ، قال : فمه! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم؟ هكذا عن الرجل! قال : فو الله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي الله عنه :
|
الحمد لله ذي المن الذي وجبت |
|
له علينا أياد ما لها غير |
|
وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا |
|
صدق الحديث نبي عنده الخبر |
|
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى |
|
ربي عشية قالوا قد صبا عمر |
|
وقد ندمت على ما كان من زلل |
|
بظلمها حين تتلى عندها السور |
|
لما دعت ربها ذا العرش جاهدة |
|
والدمع من عينها عجلان يبتدر |
|
أيقنت أن الذي تدعوه خالقها |
|
فكاد يسبقني من عبرة درر |
|
فقلت أشهد أن الله خالقنا |
|
وأن أحمد فينا اليوم مشتهر |
|
نبي صدق أتى بالحق من ثقة |
|
وافى الأمانة ما في عوده خور |
إذا تقرر هذا ، علم أن المقصود من السورة ـ كما تقدم ـ تشريف هذا النبي الكريم صلىاللهعليهوسلم بإعلامه بالرفق بأمته ، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة ، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة ، وحماهم ممن يريد قتلهم ، ولين قلب عمر رضي الله عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيرا ، ثم حماه بعدوه ، وتأمينه صلىاللهعليهوسلم من أن يستأصلوا بعذاب ، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهماالسلام ومن بعدهم ـ بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك ، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد ، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك ، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم ، وحل بوارهم ، وأتى دمارهم ، وأنه لا يؤمن منهم ـ لما هم فيه من اللدد ـ إلا من قد آمن ، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله ، لأن الأمر كان في ابتدائه ، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جدا ، فسكن سبحانه الروع بقوله : (ما أَنْزَلْنا) بعظمتنا (عَلَيْكَ) أي وأنت أعلم الخلق (الْقُرْآنَ) أي أعظم الكتب ، الجامع لكل خير ، والدافع لكل ضير ، الذي يسرناه بلسانك (لِتَشْقى) أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعا بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك (إِلَّا) أي لكن أنزلناه (تَذْكِرَةً) أي تذكيرا عظيما (لِمَنْ يَخْشى) ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
