والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير ، كما يتفرد الملك الجالس على السرير (عَمَّا يَصِفُونَ) مما يوهم نقصا ما ، ثم علل ذلك بقوله : (لا يُسْئَلُ) أي من سائل ما (عَمَّا يَفْعَلُ) أي لا يعترض عليه لأنه لا كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك ، فليس في شيء من أفعاله لإتقانها موضع سؤال ، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل ، فلو شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه ، وكان ذلك منه عدلا حسنا ، وهذا مما يتمادح به أولو الهمم العوال ، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن الأشعر :
|
أحيا أباه هاشم بن حرملة |
|
يوم الهباءات ويوم اليعمله |
|
ترى الملوك عنده مغربلة |
|
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له |
قال ابن هشام في مقدمة السيرة قبل «أمر البسل» بقليل : أنشدني أبو عبيدة هذه الأبيات وحدثني أن هاشم قال لعامر : قل فيّ بيتا جيدا أثبك عليه ، فقال عامر البيت الأول فلم يعجب هاشما ، ثم قال البيت الثاني فلم يعجبه ، ثم قال الثالث فلم يعجبه ، فلما قال الرابع «ويقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له» أعجبه فأثابه عليه ، ومن أعجب ما رأيت في حكم الأقدمين أن الشهرستاني قال في الملل : وقد سأل بعض الدهرية أرسطا طاليس فقال : إذا كان لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال : «لم» غير جائز عليه ، لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معلّ فوقه ولا علة فوقه ، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل ، فلم عنه منفية. (وَهُمْ يُسْئَلُونَ) من كل سائل لما في أفعالهم من الاختلال بل يمنعون عن أكثر ما يريدون.
ولما قام الدليل ، ووضح السبيل ، واضمحل كل قال وقيل ، فانمحقت الأباطيل ، قال منبها لهم على ذلك : (أَمِ) أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم غيهم فيه فوحدوا الله أم (اتَّخَذُوا) ونبه على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبها لهم مكررا لما مضى على وجه أعم ، طالبا البرهان تلويحا إلى التهديد : (مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) من السماء أو الأرض وغيرهما.
ولما كان جوابهم : اتخذنا ، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال : (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل.
ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل النقل ، أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب : (هذا ذِكْرُ) أي موعظة وشرف
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
