ولما تم ذلك على هذا الوجه ، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه ، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى : (أَفَلا تَعْقِلُونَ).
ولما كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله شرفناكم ، وإن ظلمتم برده عنادا أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم ، عطف عليه قوله : (وَكَمْ قَصَمْنا) أي بعظمتنا (مِنْ قَرْيَةٍ) جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه ، والإناء الذي فت فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة ، و«كم» في هذا السياق يقتضي الكثرة ، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله : (كانَتْ ظالِمَةً) ثم بين الغنى عنها بقوله : (وَأَنْشَأْنا) أي بعظمتنا.
ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء ، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب ، بيانا لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ، أسقط الجار فقال : (بَعْدَها قَوْماً) أي أقوياء ، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله : (آخَرِينَ) ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال : (فَلَمَّا أَحَسُّوا) أي أدرك أهلها بحواسهم (بَأْسَنا) أي بما فيه من العظمة (إِذا هُمْ) أي من غير توقف أصلا (مِنْها) أي القرية (يَرْكُضُونَ) هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل ـ أي يحركها ـ للعدو ، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) [إبراهيم : ١٣] فناداهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا : (لا تَرْكُضُوا) وصور التهكم بهم بأعظم صوره فقال : (وَارْجِعُوا) إلى قريتكم (إِلى ما.)
ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين ، بني للمفعول قوله : (أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) أي منها ، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم ، ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم. ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن ، قال : (وَمَساكِنِكُمْ) أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها ، وأوسعتم من فنائها ، وعليتم من مقاعدها ، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) في الإيمان بما كنتم تسألون ، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة ، أو تسألون في الحوائج والمهمات ، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم البهية ، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف أحوال الراكض العجل (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ) [إبراهيم : ٤٤].
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
