القدح طلب آية فقالوا : (فَلْيَأْتِنا) أي دليلا على رسالته (بِآيَةٍ) أي لأنا قد بينا بطعننا أن القرآن ليس بآية ؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم : (كَما) أي مثل ما ، وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلا فقالوا : (أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) أي بالآيات مثل تسبيح الجبال ، وتسخير الريح ، وتفجير الماء ، وإحياء الموتى ، وهذا تناقض آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر ، وإنكارهم رسالته صلىاللهعليهوسلم لكونه بشرا ، ولم يستحيوا بعد التناقض من المكابرة فيما أتاهم به من انشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، ونبع الماء ، والقرآن المعجز ، مع كونه أميا ـ إلى غير ذلك.
ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثورا ، وتضمن قولهم الذي سببوه عنه القرار بالرسل البشريين وآياتهم ، أتبعه بيان ما عليهم فيه ، فبين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك ، فقال جوابا لمن كأنه قال : رب أجبهم إلى ما اقترحوه ليؤمنوا : (ما آمَنَتْ) أي بالإجابة إلى الآيات المقترحات.
ولما كان المراد استغراق الزمان ، جرد الظرف عن الخافض فقال : (قَبْلَهُمْ) أي قبل كفار مكة المقترحين عليك ، وأعرق في النفي فقال : (مِنْ قَرْيَةٍ) ولما كان المقصود التهويل في الإهلاك ، وكان إهلاك القرية دالا على إهلاك أهلها من غير عكس ، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيرا من مثل حالهم بوصفها بقوله في مظهر العظمة المقتضي لإهلاك المعاندين : (أَهْلَكْناها) أي على كثرتهم (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) [الإسراء : ١٧] ، (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) [الشعراء : ٢٠٨] ، (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء : ١٥] «وما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» وأشار بذلك إلى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل وقيل الشروع في الإهلاك ، وهو إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا الآيات.
ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم ، حسن الإنكار في قوله : (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) أي كلا! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم حين لا ينفع الإيمان ، وقد قضينا في الأزل أن لا نستأصل هذه الأمة إكراما لنبيها ، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك.
ولما بين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك ، فلا فائدة لهم في الإجابة إلى ما اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في القرآن ، بيّن ثانيا بطلان ما قدحوا به في الرسول بكونه بشرا ، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من جنسه ، فما لهم أن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
