الرجل وبين الناس ، فإن أصابوه فهو ما أردتم وإلا فعزه عزكم ، والثالث المنافقون ، وعبر في الكل بالجمع لأنه أنكأ ـ والله الموفق.
ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر ، بينه ببيان أن المراد موت القلب وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله : (إِنْ) أي ما (تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ) أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقا (بِآياتِنا) أي فيه قابلية ذلك دائما ، فهو يذعن للآيات المسموعة ، ويعتبر بالآيات المصنوعة ، وأشار بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع غيره ، وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال : (فَهُمْ) أي فتسبب عن قبولهم لذلك أنهم (مُسْلِمُونَ) أي منقادون للدليل غاية الانقياد غير جامدين مع التقليد.
ولما دل سبحانه على قدرته على البعث بوجوه من الدلالات ، تارة في الأجسام ، وتارة في القوى ، وأكثر على ذلك في هذه السورة من الحجج البينات ، وختم بأنه لا يبصر هذه البراهين إلا من حسنت طويته ، فلانت للأدلة عريكته ، وطارت في فيافي المقادير بأجنحة العلوم فكرته ورويته ، وصل بذلك دليلا جامعا بين القدرة على الأعيان والمعاني إبداء وإعادة ، ولذلك لفت الكلام إلى الاسم الجامع ولفته إلى الخطاب للتعميم والاستعطاف بالتشريف ، فقال مؤكدا إشارة إلى أن ذلك دال على قدرته على البعث ولا بد وهم ينكرونها ، فكأنهم ينكرونه ، فإنه لا انفكاك لأحدهما عن الآخر : (اللهُ) أي الجامع لصفات الكمال وحده.
ولما كان تعريف الموصول ظاهرا غير ملبس ، عبر به دون اسم الفاعل فقال : (الَّذِي خَلَقَكُمْ) أي من العدم. ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه وجبلته الضعف ، وأضعف ما يكون في أوله قال : (مِنْ ضَعْفٍ) أي مطلق ـ بما أشارت إليه قراءة حمزة وعاصم بخلاف عن حفص بفتح الضاد ، وقوى بما أشارت إليه قراءة الباقين بالضم ، أو من الماء المهين إلى ما شاء الله من الأطوار ، ثم ما شاء الله من سن الصبي.
ولما كانت تقوية المعنى الضعيف مثل إحياء الجسد الميت قال : (ثُمَّ جَعَلَ) عن سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بما يقيمه من الأسباب ، ولما كان ليس المراد الاستغراق عبر بالجار فقال : (مِنْ بَعْدِ) ولما كان الضعف الذي تكون عنه القوة غير الأول ، أظهر ولم يضمر فقال : (ضَعْفٍ قُوَّةً) بكبر العين والأثر من حال الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين عاما ، وهو ابتداء سن الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنين وأربعين عاما فلو لا تكرر مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد عدمه مثل إعادة الشيخ شابا بعد هرمه (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) في شباب
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
