يراد بالحساب الجزاء ، فيكون ذلك تهديدا بيوم بدر والفتح ونحوهما ، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشا أو جميع العرب ، والحساب : إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر (وَهُمْ) أي والحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم من النوس ، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن ، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جدا (فِي غَفْلَةٍ) فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه ، لأنهم إذا نشروا علموا ، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت ، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر ، أهل الحق من أهل الباطل ، وقوله : (مُعْرِضُونَ) كالتعليل للغفلة ، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا ، وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها (بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ) وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) ـ إلى قوله ـ (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) [طه : ١٣١] قال تعالى : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره و (لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر : ٨] والأمر قريب (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ) وأيضا فإنه تعالى لما قال (وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا) [مريم : ٩٧] وهم الشديد والخصومة في الباطل ، ثم قال (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) [مريم : ٧٤] إلى آخرها ، استدعت هذه الجملة بسط حال ، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة والسّلام وتسليته ، حتى لا يشق عليه لددهم ، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) [طه : ٢] وتأنيسه بقصة موسى عليهالسلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليهالسلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله وأهلكه ، وأورث عباده أرضهم وديارهم ، ثم اتبعت بقصة آدم عليهالسلام ليرى نبيه صلىاللهعليهوسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليهالسلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه ـ فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه ، وكل هذا تأنيس للنبي صلىاللهعليهوسلم ، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس ، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء ، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات ، ودلائل وبسط آيات ، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) [الأنبياء : ٦] وفي قوله (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء : ٦] تعزية لرسول الله
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
