ولما أمر بالإيتاء ، رغب فيه فقال : (ذلِكَ) أي الإيتاء العالي الرتبة (خَيْرٌ) ولما كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه لا رياء فيه ، قال معرفا أن ذلك ليس قاصرا على من خص بالخطاب بل كل من تأسى به نالته بركته (لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ) بصيغة الجمع ، ولما كان الخروج عن المال في غاية الصعوبة ، رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في الشيء المعبر به هنا عن الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق فقال : (وَجْهَ اللهِ) أي عظمة الملك الأعلى ، فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم على كل ما سواه فيخلصون له (وَأُولئِكَ) العالو الرتبة لغناهم عن كل فان (هُمُ) خاصة (الْمُفْلِحُونَ) أي الذين لا يشوب فلاحهم شيء من الخيبة ، وأما غيرهم فخائب ، أما إذا لم ينفق فواضح ، وأما من أنفق على وجه الرياء بالسمعة والرياء فإنه خسر ماله ، وأبقى عليه وباله ، وأما من أنفق على وجه الرياء الحقيقي فقد صرح به تعريفا بعظيم فحشه صارفا الخطاب عن المقام الشريف الذي كان مقبلا عليه ، تعريفا بتنزه جنابه عنه ، وبعد تلك الهمة العلية والسجايا الطاهرة النقية منه ، إلى جهة من يمكن ذلك منهم فقال : (وَما آتَيْتُمْ) أي جئتم أي فعلتم ـ في قراءة ابن كثير بالقصر ليعم المعطي والآخذ والمتسبب ، أو أعطيتم ـ في قراءة غيره بالمد (مِنْ رِباً) أي مال على وجه الربا المحرم أو المكروه ، وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها أكثر منها ، وكان هذا مما حرم على النبي صلىاللهعليهوسلم تشريفا له ، وكره لعامة الناس. وعلى قراءة ابن كثير بالقصر المعنى : وما جئتم به من إعطاء بقصد الربا (لِيَرْبُوَا) أي يزيد ويكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتوه ، أو لتزيدوا أنتم ذلك ـ على قراءة المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة ، من : أربى (فِي أَمْوالِ النَّاسِ) أي تحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها ، فهو كناية عن أن الزيادة التي يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلا (فَلا يَرْبُوا) أي يزكو وينمو (عِنْدَ اللهِ) أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وكل صفات الكمال ، وكل ما لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ممحوق لا وجود له ، فإنه إلى فناء وإن كثر (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ) [البقرة : ٢٧٦].
ولما ذكر ما زيادته نقص ، أتبعه ما نقصه زيادة فقال : (وَما آتَيْتُمْ) أي أعطيتم للإجماع على مده لئلا يوهم الترغيب في أخذ الزكاة (مِنْ زَكاةٍ) أي صدقة ، وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة ، أي تطهرون بها أموالكم من الشبه ، وأبدانكم من مواد الخبث ، وأخلاقكم من الغل والدنس. ولما كان الإخلاص عزيزا ، أشار إلى عظمته بتكريره فقال : (تُرِيدُونَ) أي بها (وَجْهَ اللهِ) خالصا مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله ، وعبر عن الذات بالوجه لأنه الذي يجل صاحبه ويستحي منه عند رؤيته وهو أشرف ما في الذات.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
