منه ، ولا يمكن أحدا التوقف فيه ، وذلك أنه لا يمكن أن يكون الشيء متصفا بنفي شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلا : (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا) لما فارقوا (دِينَهُمْ) الذي هو الفطرة الأولى ، فعبد كل قوم منهم شيئا ودانوا دينا غير دين من سواهم ، وهو معنى (وَكانُوا) أي بجهدهم وجدهم في تلك المفارقة المفرقة (شِيَعاً) أي فرقا متحالفين ، كل واحدة منهم تشايع من دان بدينها على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء والأموال ، فعلم قطعا أنهم كلهم ليسوا على الحق.
ولما كان هذا أمرا يتعجب من وقوعه ، زاده عجبا بقوله استئنافا : (كُلُّ حِزْبٍ) أي منهم (بِما لَدَيْهِمْ) أي خاصة من خاص ما عندهم من الضلال الذي انتحلوه (فَرِحُونَ) ظنا منهم أنهم صادفوا الحق وفازوا به دون غيرهم.
ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ضال ، فكان الحال جديرا بالسؤال ، عن وجه الخلاص من هذا الضلال ، أشير إليه أنه لزوم الاجتماع ، وبين ذلك في جملة حالية من فاعل (فَرِحُونَ) فقال تعالى : (وَإِذا) وكان الأصل : مسهم ، ولكنه قيل لأنه أنسب بمقصود السورة من قصر ذلك على الإنسان كما هي العادة في أكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم : (مَسَّ النَّاسَ) تقوية لإرادة العموم إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس وهو التحرك ، من الحيوانات العجم والجمادات لو نطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه سبحانه ولم تعدل عنه كما أنها الآن كذلك بألسنة أحوالها ، فهذا هو الإجماع الذي لا يتصور معه نزاع (ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ) أي الذي لم يشاركه في الإحسان إليهم أحد في جميع مدة مسهم بذلك الضر ـ بما أشار إليه الظرف حال كونهم (مُنِيبِينَ) أي راجعين من جميع ضلالاتهم التي فرقتهم عنه (إِلَيْهِ) علما منهم بأنه لا فرج لهم عند شيء غيره ، هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من الأوقات ، ولا في أزمة من الأزمات ، قال الرازي في اللوامع في أواخر العنكبوت : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان ، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء.
ولما كان كل واقع في شدة مستبعدا كل استبعاد الخلاص منها قال : (ثُمَ) بأداة العبد (إِذا أَذاقَهُمْ) مسندا الرحمة إليه تعظيما للأدب وإن كان الكل منه. ولما كان السياق كله للتوحيد ، فكانت العناية باستحضار المعبود باسمه وضميره أتم قال : (مِنْهُ) مقدما ضميره دالا بتقديم الجار على الاختصاص وأن ذلك لا يقدر عليه غيره ، وقال : (رَحْمَةً) أي خلاصا من ذلك الضر ، إشارة إلى أنه لو أخذهم بذنوبهم أهلكهم ، فلا سبب لإنعامه سوى كرمه ، ودل على شدة إسراعهم في كفران الإحسان بقوله معبرا بأداة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
