ولما لم يبق في كمال علمه وتمام قدرته شبهة ، قال معبرا بأداة التراخي لتدل ـ مع دلالتها على ما هي له ـ على العظمة ، فقال دالا على أن قدرته على الأشياء كلها مع تباعدها على حد سواء ، وأنه لا فرق عنده في شمول أمره بين قيام الأحياء وقيام الأرض والسماء (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ) وأشار إلى هوان ذلك الأمر عنده بقوله : (دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ) على بعد ما بينها وبين السماء فضلا عن العرش ، وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو أقرب فقال معبرا بأداة الفجاءة : (إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) أي يتجدد لكم هذا الوصف بعد اضمحلالكم بالموت والبلى ، ويتكرر باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة أصلا ، إلا أن يترتب على الأفضل فالأفضل لقوله صلىاللهعليهوسلم : «أنا أول من تنشق عنه الأرض» (١) كما دعاكم منها أولا إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ، وأعرى هذه مما ختم به الآيات السالفة تنبيها على أنها مثل الأولى قد انتهت في الظهور ، ولا سيما بانضمامها إلى الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد هو أضوأ من النور ، كما تأتي الإشارة إليه في آية (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ).
ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من الإنس والجن ، ذكر قهره للكل فقال : (وَلَهُ) أي وحده بالملك الأتم (مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي كلهم ، وأشار إلى الملك بقوله : (كُلٌّ لَهُ) أي وحده. ولما كان انقياد الجمع مستلزما لانقياد الفرد دون عكسه جمع في قوله : (قانِتُونَ) أي مخلصون في الانقياد ليس لأنفسهم ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرف بوجه ما إلا بإذنه ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : مطيعون طاعة الإرادة وإن عصوا أمره في العبادة ـ نقله عنه البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت.
ولما كان هذا معنى يشاهده كل أحد في نفسه مع ما جلى سبحانه من عرائس الآيات الماضيات ، فوصل الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ) أي على سبيل التجديد كما تشاهدون ، وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ يُعِيدُهُ) أي بعد أن يبيده.
ولما كان من المركوز في فطر جميع البشر أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه قال : (وَهُوَ) أي وذلك الذي ينكرونه من الإعادة (أَهْوَنُ عَلَيْهِ) خطابا لهم بما ألفوه وعقلوه ولذلك أخر الصلة لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده تقديمها.
__________________
(١) أخرجه مسلم ٢٢٧٦ وأحمد ٤ / ١٠٧ والترمذي ٣٦٠٥ وابن حبان ٦٢٤٢ من حديث واثلة بن الأسقع ، وله شواهد.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
