قال ثابت : وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة ، وقد روى الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد ـ وقال الترمذي : حسن غريب ـ من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : يقول الله تعالى : تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك. (١) وروى ابن ماجه من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه : سمعت نبيكم صلىاللهعليهوسلم يقول : من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد ، كفاه الله هم دنياه ، ومن تشعبت به الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أيّ أوديتها هلك (٢).
وروى أيضا من حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة (٣).
ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار الماضين ، مبكتا بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود ، فلم يقدروا على إنكار شيء منه ولا توجيه طعن إليه ، وخلله ببدائع الحكم ، وغرائب المواعظ في أرشق الكلم ، وختم ذلك بأعظم داع إلى التقوى ، عجب منهم في كونهم لا يذعنون للحق أنفة من المجاهرة بالباطل ، أو خوفا من سوء العواقب ، فقال : (وَقالُوا) ولعله عطف على ما يقدر في حيز قوله (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) إلى قوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ) من أن يقال : وقد أبوا ذلك ولم يعدوا شيئا منه آية : (لَوْ لا) أي هلا ولم لا (يَأْتِينا) أي محمد رسول الله صلىاللهعليهوسلم (بِآيَةٍ) أي مثل آيات الأولين (مِنْ رَبِّهِ) المحسن إليه ، دالة على صدقه.
ولما تضمن هذا أنهم لم يعدوا شيئا من هذه البينات ـ التي أدلى بها على من تقدمه ـ آية مكابرة ، استحقوا الإنكار ، فقال : (أَوَلَمْ) أي ألم يأتهم من الآيات في هذا القرآن مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني بأرشق النظوم ما أعجز بلغاءهم ، وأبكم فصحاءهم ، فدل قطعا على أنه كلامي ، أو لم (تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما) أي الأخبار التي (فِي الصُّحُفِ الْأُولى) من صحف إبراهيم وموسى وعيسى وداود عليهمالسلام في التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب الإلهية كقصتي آدم وموسى المذكورتين
__________________
(١) أخرجه ابن ماجه ٤١٠٧ عن أبي هريرة والوالي وزائدة قال في التقريب مقبولان.
(٢) أخرجه ابن ماجه ٢٥٧ و٤١٠٦ ونهشل متروك وكذبه بعضهم انظر الميزان ٤ / ٢٧٥.
(٣) أخرجه ابن ماجه ٤١٠٥ بإسناد صحيح رجاله ثقات من حديث زيد بن ثابت قاله البوصيري في الزوائد.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
