قال : كان يوم الحديبية ، ولو لا ولاية يلبية ما صح إلا أحدهما ، إن في ذلك لعبرة ، هذا إن عددنا آحاد السنين ، وإن عددناها مئات فهو في بضع منها ، فإنه في المائة التاسعة كما أشار إليه الأستاذ أبو الحكم عبد السّلام بن برجان في تفسيره فقال : حكمة الله جل ذكره في دوائر التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم على أوائلها ، ومن الدوائر مقدرة ، ومنها موسعة على مقدار مشيئة الله فيها وبها ، ولما أخبر تعالى عن الروم أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام ، كان إخبارا منه عما يكون ـ والله أعلم ـ وبشارة بشر بها رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين أن ذلك سيكون ، يعني أن معنى «غلبت» مبنيا للمفعول إن كان بالنسبة إلى فارس كان المعنى وقع غلبها ، وإن كان بالنسبة إلى المسلمين كان المعنى : قرب زمان غلبها على أيدي المسلمين ، ثم قال : فكان ذلك في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، غلبهم في بلاد الشام ، واستخرج بيت المقدس عن أيديهم. والبضع من الثلاث إلى التسع ، وكان نزول هذه السورة بمكة فكان ذلك في داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان وعشرين سنة ، ثم لم يزل الفتح بعد ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في التقدير ، ثم ذكر عود التقدير باستيلاء الروم على بعض أطراف الشام ثم باستنقاذ المسلمين ذلك منهم ، ونظر إلى ذلك تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب آحاد المئات ، وتارة بغير ذلك ، وصحح وقوعه في البضع بالغالبية والمغلوبية مرة بعد أخرى ، وهو من بدائع الأنظار ، ودقائق الأسرار الكبار.
ولما كان تغليب ملك على ملك من الأمور الهائلة ، وكان الإخبار به قبل كونه أهول ، ذكر علة ذلك فقال : (لِلَّهِ) أي وحده (الْأَمْرُ) ولما أفهم السياق العناية بالروم ، فكان ربما توهم أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى البضع ربما كان لمانع لم يقدر على إزالته ، نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به ، وهو مبتدىء من الزمن الذي بعده ، فالتأخير به لا بغيره ، لحكمة دبرها سبحانه فقال : (مِنْ قَبْلُ) أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس ، لا إلى غاية تكون مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم (وَمِنْ بَعْدُ) أي بعد دولة الروم عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضا غلبهم الروم ، فحذف المضاف إليه هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في أمره مرتين.
ولما أخبر بهذه المعجزة ، تلاها بمعجزة أخرى ، وهو أن أهل الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال : (وَيَوْمَئِذٍ) أي إذ تغلب الروم على فارس (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد صلىاللهعليهوسلم (بِنَصْرِ اللهِ) أي الذي لا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
