مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم ، وبعث بها إلى كسرى ، فخاف كسرى أن يتغير عليه الأصبهبذ ، لما قد نال من الظفر فبعث بقتله ، فجاء الرجل إليه فرأى من عقله وتدبيره ما منعه من قتله وقال : مثل هذا لا يقتل ، وأخبره ما جاء لأجله ، فبعث إلى قيصر ملك الروم : إني أريد أن ألقاك ، فالتقيا فقال له : إن الخبيث قد هم بقتلي ، وإني أريد إهلاكه ، فاجعل لي من نفسك ما أطمئن إليه ، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك. فأعطاه المواثيق ، وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل ، فنزل بكسرى ، فعلم كسرى كيف جرى الحال ، فدعا قسا نصرانيا ، يعني وكتب معه كتابا. وقال ابن مسكويه : وكان أبرويز وجه رجلا من جلة أصحابه في جيش جرار إلى بلاد الروم ، فأنكى فيهم وبلغ منهم ، وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم ، فعظم أمره وخافه أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل إليه ، ويأمره في الآخر أن يقيم بموضعه ، فإنه لما تدبر أمره وأجال الرأي لم يجد من يسد مسده ، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه ، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له : أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم فإن خف لذلك فهو ما أردت ، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما ثم أعلمه أن الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه. فخرج رسول كسرى حتى ورد على صاحب الجيش ببلاد الشام ، فأوصل الكتاب الأول إليه ، فلما قرأه قال : إما أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي ، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدو ، فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه ، فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام ، وأوهمه أن رسولا ورد به ، فلما قرأه قال : هذا تخليط ولم يقع منه موقعا ، ودس إلى ملك الروم من ناظره في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد العراق على غرة من كسرى ، وعلى أن لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق ، وللفارسي ما وراء ذلك إلى بلاد فارس ، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحى الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة ، وأخذ أفواه الطرق ، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في أعماله ، فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال : هذا وقت حيلة ، لا وقت شدة ، وجعل ينكت في الأرض مليا ، ثم دعا برقّ وكتب فيه كتابا صغيرا بخط دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه : قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وإطماعه في نفسك وتخلية الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أمامه ، وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه ، فيكون ذلك بواره ، وقد تم في هذا الوقت ما دبرناه ، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا ، ثم دعا راهبا كان في دير بجانب مدينته
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
