(لَيَقُولُنَّ اللهُ) أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم من ذلك وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر.
ولما كان حال من صرف الهمة عنه عجبا يستحق أن يسأل عنه على وجه التعجب منه إشارة إلى أنه لا وجه له ، قال : (فَأَنَّى) أي فكيف ومن أي وجه (يُؤْفَكُونَ) أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل عليه أو لم يخلص له العبادة في كل أحواله ، وجميع أقواله وأفعاله ، عن الإخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك له في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع في خبط العشواء وحيرة العجباء.
ولما كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق التأمل فيقال : بكل الخلق والرزق له ، فما بالهم متفاوتين في الرزق؟ قال : (اللهُ) أي بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال (يَبْسُطُ الرِّزْقَ) بقدرته التامة (لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) على حسب ما يعلم من بواطنهم (وَيَقْدِرُ) أي يضيق.
ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال : (لَهُ) أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمته ، وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء يفاوتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم ، فما ظنك بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك ، وهذه الآية نتيجة ما قبلها.
ولما كان سبحانه يرزق الناس ، ويمكن لهم بحسب ما يعلم من ضمائرهم أنه لا صلاح إلا فيه ، قال معللا لذلك ومؤكدا ردا على من يعتقد أن ذلك إنما هو من تقصير بعض العباد وتشمير بعضهم ، معلما بأنه محيط العلم فهو محيط القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة الآخرين لملازمة القدرة العلم : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له صفات الكمال (بِكُلِّ شَيْءٍ) أي من المرزوقين ومن الأرزاق وكيف تمنع أو تساق وغير ذلك (عَلِيمٌ) فهو على ذلك كله قدير ، يعلم ما يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم ، ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام بعض الأقوياء إغناء فقير وإفقار غني ، فكشف الحال عن فساد ما راموا من الانتقال.
ولما ثبت بهذا شمول علمه ، لزم تمام قدرته كما برهن عليه في طه ، فقال مشيرا إلى ذلك ذاكرا السبب القريب في الترزيق بعد ما ذكر البعيد ، فإن الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضا منه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ) بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق ، ولما كان ربما ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه ، ذكر ما يختص به سبحانه سالما عن دعوى المدعين فقال : (مِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
