هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره ، وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي ، ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد صلىاللهعليهوسلم ، فصح أن محمدا صلىاللهعليهوسلم ذو آيته ، وإنه نبي صلىاللهعليهوسلم ، والمستعمل في ذلك أن محمدا صلىاللهعليهوسلم تحدى بهذا القرآن العرب الفصحاء واللد البلغاء ، فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما وجدوه في أنفسهم من العجز ، وإذا عجز أولئك فمن بعدهم أحق بالعجز ، فلما شمل العجز الكل من الخلق ، وجب العلم بأن هذا القرآن حق ، والمتحدي به نبي جاء بالصدق ، وحاصله : لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة لو استطاعوها ، ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا ، فثبت بذلك أنه نبي صلىاللهعليهوسلم انتهى.
ولما كان من المعلوم أنهم يقولون : نحن لا نصدق أن هذا الكتاب من عند الله فضلا عن أن نكتفي به ، قال : (قُلْ) أي جوابا لما قد يقولونه من نحو هذا : (كَفى بِاللهِ) أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات ، الذي شهد لي بالرسالة في كتابه الذي أثبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته.
ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس ، وتفصيل أحوالهم ، ابتدأ بقوله : (بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) قبل قوله : (شَهِيداً) بخلاف الرعد والأنعام ، ثم وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله : (يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ) أي كلها. ولما لم يكن للأرض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها ، أفرد فقال : (وَالْأَرْضِ) أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه إليّ من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزكم عنه فهو شاهد لي ، والله في الحقيقة هو الشاهد لي ، بما فيه من الثناء عليّ ، والشهادة لي بالصدق ، لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل إبطال المبطل منا.
ولما كان التقدير : وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني على الحق ، وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل ، فالذين آمنوا بالحق وكفروا بالباطل فأولئك هم الفائزون ، عطف عليه قوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ) أي الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله (وَكَفَرُوا بِاللهِ) الذي يجب الإيمان به والشكر له ، لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ذاته إلا العدم (أُولئِكَ) البعداء البغضاء (هُمُ) أي خاصة (الْخاسِرُونَ) أي العريقون في الخسارة ، فإنهم خسروا أنفسهم أبدا.
ولما كان قولهم مرة واحدة (لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ) آية» عجبا ، أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه ، وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
