تركها الذي هو كفر ، ومن انتهى عن ذلك انشرح صدره ، واتسع فكره ، فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه غيره (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) [البقرة : ٢٨٢].
ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله ، أتبع ذلك الحث على روح الصلاة والمقصد الأعظم منها ، وهو المراقبة لمن يصلي له حتى كأنه يراه ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله : (وَلَذِكْرُ اللهِ) أي ولأن ذكر المستحق لكل صفة كمال (أَكْبَرُ) أي من كل شيء ، فمن استحضر ذلك بقلبه هان عنده كل شيء سواه «إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه» أو يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله ، ومن ذكره أو شك أن يرق قلبه ، ومن رق قلبه استنار لبه ، فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن المعصية ، فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهيا له عن المنكر من نهي الصلاة له ، وكان ذكره له سبحانه كبيرا ، كما قال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) وإذا كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه ، فما ظنك بذكر مولاه له كلما أقبل عليه بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه إلى حد لا يوصف ، ويلبسه من أنواره ملابس لا تحصر.
ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج ، وتمرن على شاق الكلف ، ورياضة لجماح النفوس ، وكان صلىاللهعليهوسلم قد نزه عن ذلك كله بما جبل عليه من أصل الفطرة ، ثم بما غسل به قلبه من ماء الحكمة ، وغير ذلك من جليل النعمة ، عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال : (وَاللهُ) أي المحيط علما وقدرة (يَعْلَمُ) أي في كل وقت (ما تَصْنَعُونَ) من الخير والشر ، معبرا بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيها على أن إقامة ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب ، حتى يصير طبعا صحيحا ، ومقصودا صريحا.
ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق علمه إلا العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية ، وكان العالم يقدر على إيراد الشكوك وترويج الشبه ، فربما أضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس ، بما له عندهم من القبول ، وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل ، وبما للشيطان في ذلك من التزيين ، وكان الجدال يورث الإحن ، ويفتح أبواب المحن ، فيحمل على الضلال ، قال تعالى عاطفا على (اتْلُ) مخاطبا لمن ختم الآية بخطابهم تنزيها لمقامه صلىاللهعليهوسلم عن المواجهة بمثل ذلك تنبيها على أنه لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك ، لأنه ليس في طبعه المجادلة ، والمماراة والمغالبة : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ) أي اليهود والنصارى ظنا منكم أن الجدال ينفع الدين ، أو يزيد في اليقين ، أو يرد أحدا عن ضلال مبين (إِلَّا بِالَّتِي) أي بالمجادلة التي (هِيَ أَحْسَنُ) أي بتلاوة الوحي الذي أمرنا رأس العابدين بإدامة تلاوته فقط ، وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان (وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [الإسراء : ٥٣].
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
