أو صنما أو ملكا أو جنينا أو غيره ، وهم لا يعلمونه ولا يعلمون شيئا مما يتوصلون إليه ، فكيف يشفعون عنده أو ينصرون منه ، وإليه الإشارة بقوله : (وَهُوَ الْعَزِيزُ) أي عن أن يعلمه شركاؤهم أو يحيط به أحد علما ، أو يمتنع عليه شيء يريده ؛ وجوزوا أن تكون ما نفية ، أي شيئا يعتد به. ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلا قال : (الْحَكِيمُ) أي البالغ العلم ، الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه ، فأبطن نفسه بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه ، وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى لا ظاهر في الحقيقة غيره ، وهو يغلب من شاء بعزته ، ويمهله إن شاء بحكمته ، فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله.
ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف صحته عليه ، كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل : هذا مثلهم ، فعطف عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيما لها وتنبيها على جليل قدرها وعليّ شأنها : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ) أي العالية عن أن تنال بنوع احتيال ؛ ثم استأنف قوله : (نَضْرِبُها) بما لنا من العظمة ، بيانا (لِلنَّاسِ) تصويرا للمعاني المعقولات بصور المحسوسات ، لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها ، وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للأفهام إلى المعاني المحتجبة في الأستار ، تبرزها وتكشف عنها وتصورها.
ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال مذكورا به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملا لهم : (وَما يَعْقِلُها) أي حق عقلها فينتفع بها (إِلَّا الْعالِمُونَ) أي الذين هيئوا للعلم وجعل طبعا لهم بما بث في قلوبهم من أنواره ، وأشرق في صدورهم من أسراره ، فهم يضعون الأشياء مواضعها ؛ روى الحارث (١) بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» (٢). قال البغوي : والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول.
ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه ، ولا ناصر لمن أخذه ، وصحح ذلك بالمشاهدة في القرون البائدة ، وقربه إلى الأذهان بالمثل المستولي على غاية البيان ، وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه ، دل على ذلك كله بقوله مظهرا لقوته وسائر صفات كماله ، بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف : (خَلَقَ اللهُ) أي الذي لا يدانى في
__________________
(١) وقع في الأصل «روى الحرب» والتصويب من ميزان الاعتدال للذهبي.
(٢) لا أصل له ، أخرجه البغوي في تفسيره ٣ / ٤٠٢ من حديث جابر وفيه داود بن المحبر صاحب كتاب العقل ، وضعه ميسرة بن عبد ربه وسرقه داود منه راجع الميزان ٢ / ٢٠.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
