ولما كان التقدير : فأعززناه كما ظن بنا إعزازا أحكمناه حتى استمر في عقبه إلى القيامة ، عطف عليه قوله : (وَوَهَبْنا لَهُ) أي بجليل قدرتنا شكرا على هجرته (إِسْحاقَ) من زوجته سارة عليهاالسّلام التي جمعت إلى العقم في شبابها اليأس بكبرها ، وعطفه لهبته له بالواو دليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسّلام لتعقيبه للهبة هناك على الهجرة بالفاء (وَيَعْقُوبَ) من ولده إسحاق عليهما الصلاة والسّلام.
ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان ، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسّلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسّلام بفراقه مع أمه رضي الله عنهما ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها ، لم يذكره تصريحا في سياق الامتنان ، وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسّلام لأنه لم يبتل فيه بشيء من ذلك ، ولأن المنة به ـ لكون أمه عجوزا وعقيما ـ أكبر وأعظم لأنها أعجب ، وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسّلام تلويحا في قوله : (وَجَعَلْنا) أي بعزتنا وحكمتنا (فِي ذُرِّيَّتِهِ) من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما الصلاة والسّلام (النُّبُوَّةَ) فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه ، ومتى صحت هذه المناسبة لزم قطعا أن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسّلام فإنه أعرى ذكر هذه السورة منه ، ويكون كأنه قيل : إنا بشرناه بما يسرّ به من إسحاق بعد أن أمرناه بما يضر من إسماعيل عليهماالسلام فصبر في محنة الضراء ، وشكر في محنة السراء (وَالْكِتابَ) فلم ينزل كتاب إلا على أولاده ، وأفرده ليدل ـ مع تناوله بالجنسية الكتب الأربعة ـ على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل فيها ، أو كان راجعا إليه ، ولو جمع لم يفد هذا المعنى (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ) على هجرته (فِي الدُّنْيا) بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة الرزق ، ورغد العيش ، وكثرة الخدم ، والولد في الشيخوخة ، وكثرة النسل ، والثناء الحسن ، والمحبة من جميع الخلق ، وغير ذلك.
ولما كان الكافر يعتقد ـ لإنكاره البعث ـ أنه نكد حياته بالهجرة نكدا لا تدارك له ، اقتضى الحال التأكيد في قوله : (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ) أي التي هي الدار وموضع الاستقرار (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) الذين خصصناهم بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى وزيادة.
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
