فقال معبرا بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم ، وإلى أنه جعل لهم في الحياة أمدا يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم : (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة (يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) فينكر كل منهم محاسن أخيه ، ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة ، ولعن القادة الأتباع ، وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ولا نفع لها ، وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها ، وتنكر الأوثان عبادتكم وتجحد منفعتكم (وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) على ما ذكر (وَمَأْواكُمُ) جميعا أنتم والأوثان (النَّارُ) لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها (وَما لَكُمْ) وأعرق في النفي فقال : (مِنْ ناصِرِينَ) أصلا يحمونكم منها ، ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات ، أو خوفا من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة ، ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة الخلان ، معرضين عن رضى الملك الديان.
ولما كان في سياق الابتلاء ، وذكر من الأنبياء من طال ابتلاؤه ، بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على نصرهم ، وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم ، وأهلك أعدائهم ، فلم يكن لهم من ناصرين فقال : (فَآمَنَ لَهُ) أي لأجل دعائه له مع ما رأى من الآيات (لُوطٌ) أي ابن أخيه هاران وحده ، وهو أول من صدقه من الرجال (وَقالَ) أي إبراهيم عليهما الصلاة والسّلام مؤكدا لما هو جدير بالإنكار من الهجرة لصعوبتها : (إِنِّي مُهاجِرٌ) أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر لهم فمنتقل ومنحاز (إِلى رَبِّي) أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير ، ولا من ترجى نصرته ، ولا من تنفع مودته ، فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده ، والاعتماد عليه دون ما سواه ، فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم منها إلى الأرض المقدسة ، فكانت له هجرتان ، وهو أول من هاجر في الله ، قال مقاتل : وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة. ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق أرضه وأهل وده من ذوي رحمه وأنسابه وأولي قربه ، فقال مؤكدا تسكينا لمن عساه يتبعه وتهوينا عليه لفراق ما ألفت النفوس من أنه لا عز إلا به من العشائر والأموال والمعارف : (إِنَّهُ هُوَ) أي وحده (الْعَزِيزُ) أي فهو جدير بإعزاز من انقطع إليه (الْحَكِيمُ) فهو إذا أعز أحدا منعته حكمته من التعرض له بإذلال ، بفعل أو مقال ، كما صنع بي حين أراد إذلالي من كان جديرا بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى ، وبالغ في أذاي ممن كان حقيقا بنفعي من ذوي رحمي وحبي.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
