ولما كان التقدير : أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين؟ عطف عليه منكرا قوله : (أَوَلَيْسَ اللهُ) المحيط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم الظاهر (بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ) أي كلهم ، منهم فلا يخفى عليه شيء من ذلك إخلاصا كان أو نفاقا ، بل هو أعلم من أصحاب الصدور بذلك.
ولما أنكر عدم العلم ، صرح بالعلم فقال واعدا متوعدا ، عاطفا على ما أفهمه السياق من نحو : فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا : (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ) أي المحيط علما وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما هو عالم به في عالم الغيب (الَّذِينَ آمَنُوا) أي وقع منهم إيمان ، وليعلمن المؤمنين إيمانا صادقا بما يواليه عليهم من المحن ، وهم لا يزدادون إلا تسليما ورضى ، وأكده لما قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون (وَلَيَعْلَمَنَ) الذين نافقوا وليعلمن (الْمُنْفِقِينَ) بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون معها كيفما ميّلتهم ، حتى يعلم كل من له لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا أيمان لهم ، ولا شك أنه يعامل كلّا من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من قلبه ، والآية من الاحتبكاك كما مضى عند وليعلمن (اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا).
ولما كان السياق للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون «إن» وكان الكفار يفتنون من أسلم في أول الأمر ، ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم عند الفتنة جهلا بالله وغرورا ، فقال معجبا منهم ، عاطفا على (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) اغترارا منهم بالله ، وجرأة على حماه المنيع (لِلَّذِينَ) أي لطائفة ممن يقول بلسانه : آمنا بالله ، وهم الذين (آمَنُوا) أي حقيقة ، جهلا منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان ، وأنوار العرفان : (اتَّبِعُوا) أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا (سَبِيلَنا) أي طريق ديننا ، وعطفوا وعدهم في مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا شك فيه فقالوا : (وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) بوعد صادق وأمر محتوم جازم ، إن كان ما تقولون حقا إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا ، ولو دروا لعمري ما الخبر ، يوم يقولون : لا مفر ، ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر ، يوم يود كل امرىء لو افتدى بماله وبنيه ، وعرسه وأخيه ، وصديقه وأبيه ، ويكون كلامهم ـ وإن كان أمرا ـ بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن معناه : إن كتب عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه (وَما هُمْ) أي الكفار (بِحامِلِينَ) ظاهرا ولا باطنا (مِنْ) خطاياكم أي المؤمنين (مِنْ شَيْءٍ) وهم يقدرون أن لا يحملوا ، أو حملا يخفف عنهم العذاب ، أي إنهم إذا عاينوا تلك الأحوال ، وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال ، التي لا يقوم لها الجبال ، تبرؤوا ممن قالوا له هذا المقال ، فقد أخبروا بما لا يطابق
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
