ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان : (أَحَسِبَ النَّاسُ) أي كافة ، فإن كلّا منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول : إنه على الحق ، ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج.
ولما كان الحسبان ، لا يصح تعليقه بالمفردات ، وإنما يعلق بمضمون الجملة ، وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك ، كانت «أن» مصدرية عند جميع القراء ، فعبر عن مضمون نحو : تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا ، بقوله : (أَنْ يُتْرَكُوا) أي في وقت ما بوجه من الوجوه ، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك المؤكد ، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه ، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا (أَنْ) أي في أن (يَقُولُوا) ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار : (آمَنَّا وَهُمْ) أي والحال أنهم (لا يُفْتَنُونَ) أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في السماوات والأرض ، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولا بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام ، وثانيا بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلى الله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال ، التي يعرف بها مرتبة الأقوال ، في الصحة والاختلال.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة ، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم ، وانجرّ مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه ، ثم ذكر ابتلاء موسى عليه الصلاة والسّلام بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب وحسن عاقبته وعظيم رحمته ، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا ، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة ، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به ، فخسفنا به وبداره الأرض ، فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة ، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز الخبيث من الطيب ، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيرا كان أو شرا ، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك : ١٤] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم ، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم ، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك ، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر ، وبه وقع افتتاحها واختتامها ، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولا خروج نبينا صلىاللهعليهوسلم
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
