على رده (إِلَيْكَ الْكِتابُ) أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه ، ولا كان هذا من شأنك ، ولا سمعه أحد منك يوما من الأيام ، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام ، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ) [العنكبوت : ٤٨] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم ، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال : (إِلَّا) أي لكن ألقي إليك الكتاب (رَحْمَةً) أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك ، لم تكن ترجوها (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك ، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه ، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن الفواحش جميعا ، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقا من الله كان حال من يرجو ذلك.
ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب ، وشكرا على إنزال الكتاب ، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم ، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم : (فَلا تَكُونَنَ) إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم (ظَهِيراً) أي معينا (لِلْكافِرِينَ) بالمكث بين ظهرانيهم ، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم ، يأسا منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك ، لا تمل أنت كما لم نمل نحن ، فقد وصلنا لهم القول ، وتابعنا لهم الوعظ والقص ، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة ، وهدايتهم في أقل لمحة ، وكما أن موسى عليه الصلاة والسّلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيرا للمجرمين ، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف ، وقلة الناصر الملازم المحالف.
ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهدا في العمل ، قال مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء : (وَلا يَصُدُّنَّكَ) أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم (لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى) ونحوه (عَنْ آياتِ اللهِ) أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال ، في الأوقات الكائنة (بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ) أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهيا (إِلَيْكَ) مما ترى من أوامرها ونواهيها ، ولقد بين هذا المعنى قوله : (وَادْعُ) أي أوجد الدعاء للناس (إِلى رَبِّكَ) أي المحسن إليك لإحسانه إليك ، وإقباله دون الخلق عليك ، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جدا ، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد ، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
