ولما نص سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في آثاره ، وكانت المرأة تابعة للرجل ، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في الكد والسعي ، والذب والرعي ، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة ، أفرد بالتحذير من التعب لذلك وعدّا لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدما ، وتعريفا بأن أمرها بيده ، وهو إن تصلب قادها إلى الخير ، وإلا قادته إلى الضير ، وعبر عن التعب بالشقاء زيادة في التحذير منه فقال : (فَتَشْقى) أي فتتعب ، ولم يرد شقاوة الآخرة ، لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك ، لأن الكلام المقدر بعد الفاء خبر ، والخبر لا يخلف. ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها بما لا يوجد في غيرها من الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان ، وهي الشبع والريّ والكسوة والكن. ذاكرا لها بلفظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء أصناف الشقوة التي حذره منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها ، فإذا مضت عليه القدرة الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر ، فقال : (إِنَّ لَكَ) أي علينا (أَلَّا تَجُوعَ فِيها) أي يوما ما (وَلا تَعْرى) فلا يتجرد باطنك ولا ظاهرك (وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا) بالتهاب القلب (فِيها وَلا تَضْحى) أي لا يكون بحيث يصيبك حر الشمس ، والمعنى أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في الظاهر (فَوَسْوَسَ) أي فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في الزمان أن وسوس (إِلَيْهِ الشَّيْطانُ) المحترق المطرود ، وهو إبليس ، أي ألقى إليه على وجه الخفاء بما مكناه من الجري في هذا النوع مجرى الدم ، وقذف المعاني في قلبه ، وكأنه عبر ب «إلى» ، لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا النوع للنقائص وإن أتته من بعد ، أو لأنه ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه ، لذلك عدى الفعل عند ذكرهما باللام ، وكأنه قيل : ما دس إليه؟ فقيل : (قالَ يا آدَمُ) ثم ساق له الغش مساق العرض ، إبعادا لنفسه من التهمة والغرض ؛ وشوقه إليه أولا بقوله : (هَلْ أَدُلُّكَ) فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله ؛ وثانيا بقوله : (عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ) أي التي من أكل منها خلد ، فإن الإنسان أحب شيء في طول البقاء ؛ وثالثا بقوله : (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) أي لا يخلق أصلا ، فكأنه قال له بلسان الحال أو القال : نعم ، فقال : شجرة الخلد هذه ـ مشيرا إلى التي نهى عنها ـ ما بينك وبين الملك الدائم إلا أن تأكل منها.
(فَأَكَلا) أي فتسبب عن قوله وتعقب أن أكل (مِنْها) هو وزوجه ، متبعين لقوله ناسيين ما عهد إليهما (فَبَدَتْ لَهُما) لما خرقا من ستر النهي وحرمته (سَوْآتُهُما) وقوعا لما حذرا منه من إخراجهما مما كانا فيه (وَطَفِقا) أي شرعا (يَخْصِفانِ) أي يخيطان أو
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
