غيرها من خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) آيتين عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم ، وادخر معظم رحمته إلى الآخرة ، ومحا آية الليل (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) أي فلا تسعوا في معاشكم (وَ) جعل آية النهار مبصرة (لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في المعاش ثانيا ، والابتغاء ثانيا دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا.
ولما ذكر هذه النعمة التي أسبغها من هذه الرحمة ، وذكر علة جعله لها على الصفة المذكورة ، ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لأنها نتيجة السمع والبصر اللذين ، قدم الحث على استعمالهما فقال : (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي وليكون حالكم حال من يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلهما من النعم المتوالية المذكورة بالمنعم ، وبما دبر لكم رفقا بكم فيما كفلكم به في دار الأسباب من أمر المعاش والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من الأرباح والمنح بالانتشار والتقلب ، وأما الآخرة فلما كانت غير مبينة على الأسباب ، وكان الجنة لا تعب فيها بوجه من الوجوه ، كان لا حاجة فيها إلى الليل.
ولما ذكر ما للمفلح من الرجاء في يوم الجزاء ، وأتبعه الإعلام بأن الهداية إلى الفلاح إنما هي به ، ودل على ذلك إلى أن ذكر أيام الدنيا المشتملة على الليل والنهار على وجه دال على وحدانيته ، معلم بالقدرة على البعث بعد الموت بتكرير إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه وتكرير إماتة الناس بالنوم ، ثم نشرهم باليقظة ، وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب الفلاح ، عاد إلى يوم الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ذلك كله ، مقرعا على الإشراك مع ظهور هذه الدلائل على التوحيد ، وعدم شبهة قائمة على الشرك غير محض التقليد ، فقال منبها على عجزهم عن البرهان عند استحقاق البرهان في يوم التناد ، لمحضر من الأشهاد ، مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير ، والتاطيد للتهليل والتقرير : (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ) أي هؤلاء الذين يظنون أنهم معجزون (فَيَقُولُ) بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعا : (أَيْنَ شُرَكائِيَ) وكرر الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلا فقال : (الَّذِينَ كُنْتُمْ) أي بغاية جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة (تَزْعُمُونَ) بلا شبهة لكم في ذلك عند التحقق أصلا.
ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة أن الشركاء لم يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم ، وكان ربما قيل : إن ذلك الشيء عبر العجز ، دل هنا على الإشراك لا شبهة دليل فقال صارفا بقول إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعال (وَنَزَعْنا) أي أفردنا بقوة وسطوة (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً) أي وهو رسولهم ، فشهد عليهم بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك الإشراك.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
