أي علا علو المجتهد في ذلك ، فعلوّه لا تبلغ العقول بوجه كنه هداه (عَمَّا يُشْرِكُونَ) لأنه لا إرادة لما ادعوهم شركاء ، ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفادها لعجزهم على إيجاد الخالق.
ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم ، قال : (وَرَبُّكَ) أي المحسن إليك المتولي لتربيتك ، كما هو بالغ القدرة ، فهو شامل العلم (يَعْلَمُ ما تُكِنُ) أي تخفي وتستر (صُدُورُهُمْ) من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل آيات موسى أو لا يؤمنون ، ومن كون ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه خالصا أو مشوبا.
ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال : (وَما يُعْلِنُونَ) أي يظهرون ، كل ذلك لديه سواء ، فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه.
ولما كان علمه بذلك إنما هو لكونه إلها ، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه ، عبر عن ذلك بقوله : (وَهُوَ اللهُ) أي المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له ، الذي لا يحيط الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال ، وأما التفاصيل كلها أو أقلها فهيهات هيهات ؛ ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) ثم علل ذلك بقوله : (لَهُ) أي وحده (الْحَمْدُ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال (فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ) وليس ذلك لشيء سواه إن آمنوا أو كفروا (وَلَهُ) أي وحده (الْحُكْمُ) أي إمضاء القضاء على الإطلاق ، فلو أراد لقسرهم على الإيمان (وَإِلَيْهِ) أي لا إلى غيره (تُرْجَعُونَ) أي بأيسر أمر يوم النفخ في الصور ، لبعثرة القبور ، بالبعث والنشور ، مع أنكم الآن أيضا راجعون في جميع أحكامكم إليه ومقصورون عليه ، إن شاء أمضاها ، وإن أراد ردها ولواها ، ففي الآيات غاية التقوية لقلوب المطيعين ، ونهاية الزجر والردع للمتمردين ، بالتنبيه على كونه قادرا على جميع الممكنات ، علما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات يجزي الطائعين والعاصين بالقسط.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥))
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
