لم يكن فقال مكررا لتهويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه وتفظيعه ، سائلا عن حق رسله عليهم الصلاة والسّلام بعد السؤال عن حقه سبحانه ، مناديا بعجز الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ) وهم بحيث يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، قد برزو الله جميعا من كان منهم عاصيا ومن كان مطيعا في صعيد واحد ، قد أخذ بأنفاسهم الزحام ، وتراكبت الأقدام على الأقدم ، وألجمهم العرق ، وعمهم الغرق (فَيَقُولُ ما ذا) أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي (أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) أي به ، ولما لم يكن لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج ، وتابعت عليهم من الأدلة ، لم يكن لهم جواب إلا السكوت ، وهو المراد بقوله : (فَعَمِيَتْ) أي خفيت وأظلمت في غواية ولجاج (عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ) أي الأخبار التي هي من العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر ، وهي التي يمكن أن يقع بها الخلاص ، وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم ، فعم الكل العمى فصاروا بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها ، ولا يهتدون إليها لانتشار عماها إليهم ، وهذا كله إشارة إلى أنهم لم يقدموا عملا في إجابة الرسل بحق أن يذكر في ذلك اليوم ، بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما يودون لو أن بينهم وبينه أمدا بعيدا ، وقال : (يَوْمَئِذٍ) تكريرا لتخويف ذلك اليوم وتهويله ، وتقريرا لتعظيمه وتبجيله.
ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علما منهم بأنه ليس عند أحد منهم ما يغني في جوابه من حسن القول وصوابه ، وأنهم لا يذكرون شيئا من المقال إلا عاد عليهم بالوبال ، قال مترجما عن ذلك : (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) أي لا يسأل أحد منهم أحدا عن شيء يحصل به خلاص ، لعلمهم أنه قد عمهم الهلاك ، ولات حين مناص ، ولأن كل منهم أبغض الناس في الآخر.
ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئا بطريق العبارة ، وأشير إلى حال من تاب فوعد الوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف إلى التصريح بحالهم ، فقال مفصلا مرتبا على ما تقديره : هذا حال من أصر على كفره (فَأَمَّا مَنْ تابَ) أي عن كفره وقال : (وَآمَنَ) تصريحا بما علم التزاما ، فإن الكفر والإيمان ضدان ، لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر (وَعَمِلَ) تصديقا لدعواه باللسان (صالِحاً).
ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص ، مسرعة إلى الدنايا ، أشير إلى صعوبة الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة بقوله : (فَعَسى) أي فإنه يتسبب عن حاله هذا الطمع في (أَنْ يَكُونَ) أي كونا هو في غاية الثبات (مِنَ الْمُفْلِحِينَ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
